الجمعة، يونيو 18، 2010

14 فلاش باك(5): العودة من المستقبل..!

فلاش باك(5)
"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback".
________________


العودة من المستقبل..!





المكان: غرفة ماجد ببيت والده الذي نشأ فيه.
الزمان: عصر أحد أيام صيف عام 92 أو 93 من القرن الميلادي السابق.
الأشخاص: ماجد (الشاب الجامعي) يقرأ في الشرفة (البالكون).. أخته نسرين (فتاة المرحلة الإعدادية)(1) تقرأ داخل الغرفة.. أمه (ذات الوجه الملائكي الذي لن تصدق أبدا أنه في منتصف الأربعينات) تنهمك في كَيِّ الملابس...
جو عليل..
نسمات هواء منعشة تتسرب من باب الشرفة فضلا عن رائحة القهوة الزكية التي تتسرب إلى الأنوف..كل ذلك كان دعوة تجبرك على التأمل والذوبان في شيء ما.. في مكان ما.. في زمن ما..!
طبعا يصعب على ماجد ونسرين -إذا اجتمعا- أن يصمتا لعشرين ثانية متتالية.. فهما مع الغرباء أخرسين كَسمكَتَيْن.. ولكن اجمعهما سويا -فقط سويا- فتحصل على أكبر ثرثارين في العالم.. وأتحداك أن تقدر على إخراسهما...!
ماجد (بعد فترة صمت طويلة.. 3 ثوان): عارفة يا نسرين؟ أنا باحب قوي جو القراءة مع القهوة ده.. بالذات وقت العصر.
نسرين: وانا كمان.
الأم: انتو واخدين حُبّ القهوة ده مني.
ماجد (وقد مَرَّرَت القهوة فمه): بمناسبة القهوة يا نسرين، روحي هاتيلي مية.
نسرين (بتحدٍّ التصق بجيناتها الوراثية منذ كانت جنينا!): اشمعنا؟ ما انا كمان بقرأ!
ماجد (بأسلوبه الذي يجيد به ابتزاز مشاعر نسرين): ماااااشي يا نسرين.. بكره ييجي اليوم اللي ما تطوليش فيه قعده زي دي..!
نسرين (بسخرية من أسلوبه الذي حفظته): ليه، إيه اللي هيحصل يعني؟!
ماجد (مستخدما طريقة جديدة للابتزاز لم تعهدها نسرين): إنتي فاكره إن الأيام هاتفضل على ما هيَّ عليه؟
نسرين (ومشاعر الطفولة البريئة بداخلها تتوجس): تقصد إيه؟!
ماجد (ببطء وبعد تنهيدة حارة مدروسة مدركا أن ما سيقوله سيطرق على شيء ما بداخلها): بكره السنين تعدي ونكبر زي ما بيحصل في الأفلام.. وكل واحد مننا يتخرَّج ويتجوز ويتشغل في بيته وحياته عن التاني، وممكن تمر أيام وشهور وما نشفش بعضنا...! ولما نتقابل نقعد نفتكر بألم وحزن الأيام دي اللي مش هاترجع..! ونستغرب على التغييرات اللي عملتها فينا الأيام.. وساعتها هنقول مرارة: لشد ما تغيرنا!!!
طبعا لم يكن يجول بخاطرهما في تلك الأيام -ولا يمكن أن يصدقا- أن أحدهما يمكنه الاستغناء عن الآخر يوما واحدا...!
فإذا بكلمات ماجد تأتي بنتيجة عجيبة لم يقصدها ولم يتوقعها.. لقد مست شيئا ما بداخله هو.. انتزعت أحد مخاوفه الدفينة.. بل نقلته -كان هذا شعوره بالضبط- عبر الزمن إلى حيث تخيل.. وأضحت تلك المشاهد المستقبلية ماثلة أمام عينيه.. فإذا بدمعات حارة تنساب على وجنتيه وهو يتمنى امتلاك (آلة الزمن) المستحيلة التي ستعيده إلى تلك الأيام التي فقدها، رغم أنه.... لم يغادرها أصلا!!!
ولم تختلف مشاعر نسرين عن ذلك كثيرا.. كيف عرف ماجد؟!
قل لي إذن ما سبب نبرة صوتها المهتزة وخلجات وجهها المضطربةعندما هتفت في وجهه: اسكت يا ماجد.. لحسن هاعيط والله..!!
بل -ولمزيد من الغرابة- أثارت تلك الكلمات الأم؛ فشخصت ببصرها نحوهما..
وتنهدت بدورها، قبل أن تقول بتأثر واضح وإشفاق عليهما: أنا عارفه يا حبايبي الشعور الي انتو حاسينو دلوقتي!!
نعم.. لقد نقلت الكلمات ماجد ونسرين إلى المستقبل الذي سيعودان منه في سلام بعد انتهاء الموقف.. إلا أنها نقلت -ويا لقسوتها- الأم إلى الماضي... ماضيها الجميل.. حيث كانت تعيش في بيت أبيها.. حيث كانت طفلة تمرح.. طفلة لها أحلام تعرف وحدها الآن ما تحقق منها وما لم يتحقق.. ولمزيد من القسوة.. تعرف وتدرك تماما أنها صارت في ذلك المستقبل الذي يتخيله ابناها.. وأنها لن تعود منه أبدا...!!
_______________
(1) اليوم هي زوجة وأم وطبيبة.. وصاحبة مدونة "منتحرة بخنجر الحرف".

السبت، يونيو 12، 2010

17 بلا قيود(6): لهذا مزقتُ ملصق الصلاة..!

بلا قيود (6)


لهذا مزقتُ ملصق الصلاة..!



استقللتُ معه المصعد (الأسانسير) إلى الطابق السادس.. كان المصعد بطيئا؛ فأخذنا نتسلى بقراءة ذلك الملصق الذي يتحدث عن أهمية الصلاة موردا العقوبات العديدة لتاركها في الدنيا والآخرة.. وبعد قراءة سريعة لمحتويات الملصق مددتُ يدي ونزعته ثم مزقته.. فتعجب مرافقي جدا من فعلي ونهرني بشدة قائلا:
- لمجرد أن تحافظ على نظافة المصعد تمنع هذا الخير؟
* ومن قال لك أن هذا هو السبب؟
- فسر لي فعلك إذن!!
* هل قرأتَ العقوبات الدنيوية لترك الصلاة التي أوردها كاتب هذا الملصق؟
- ما بها..؟!
* هو ذكر منها أن تارك الصلاة يعاقب بنقص في المال والطعام؛ فلا يموت إلا فقيرا جائعا!!
- وما المشكلة في ذلك؟!
* المشكلة أن العالم يعج حولنا بتاركي الصلاة من الأغنياء والبدناء!!
- إن هذا من قبيل الترهيب لا أكثر..
* إن في قرآننا وفي صحيح السنة من الأدلة الموضحة لعقوبة تارك الصلاة ما يغني عن تلك الأدلة الباطلة..!
- إن صاحب الملصق لم يقصد إلا خيرا.
* أنا لا أشكك في نيته، ولكن أشكك في علمه.. كما أنني أرفض أن يقرأ هذا الملصق قليلُ علمٍ فيعتقد أن تلك الأدلة من الدين..!
- وهل في ذلك من ضَيْر؟
* نعم.. فعندما يرى في واقعه عكس ما يعتقدُ أنه من الدين؛ سيشك فيما يأتيه من الله ورسوله، أو -على أقل تقدير- سيشعر ببلبلة في عقله.. فهل يرضيك أن يُكذب الله ورسوله؟
- قطعا لا.
* لهذا مزقتُ ملصق الصلاة..!