‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلاش باك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فلاش باك. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، يونيو 20، 2011

26 فلاش باك(1): بلا إحساس!

فلاش باك.. "بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback".
________________
بلا إحساس!

كنت متوقفا بالسيارة أنتظر اخضرار الإشارة الضوئية..كانت الشمس في مواجهتي، لكن نظارتي السوداء تحميني من وهجها الحارق.. أخذت أجول بعيني في تململ هنا وهناك، فوقع بصري عليهما عبر المرآة الوسطى..
كانا يجلسان في السيارة التي تليني مباشرة، والشمس -المواجهة لهما بدورهما- تظهر لي بوضوح المشهد الذي جذب انتباهي بقوة..
هو يرتكز بيديه على عجلة القيادة ويتحدث بكل انفعال -يصل إلى حد الصراخ- دون أن يلتفت إليها مرة واحدة؛ ففهمت أنه يتحدث عبر هاتفه الخلوي مستخدما سماعة أو ما شابه.. خاصة أنها كانت تجلس بجواره تحدق إلى الأمام بنظرة صامتة لا تحمل أدنى انفعال..
مرت لحظات ليست قليلة، تنبهت بعدها مع زيادة انفعاله وإشاحته بيده والالتفات إليها من حين إلى آخر أنه لا يحمل هاتفا ولا يعلق سماعة في أذنه.. بل يحادثها هي.. هي بالذات..!!
انتابتني الدهشة الشديدة؛ فهي - رغم انفعاله المتصاعد - لا تحرك ساكنا..!
قلت في نفسي: لا بد أنها من النوع الهادئ الذي يستطيع مواجهة انفعال الآخرين ببرود أعصاب يُحسد عليه!!
ومرت لحظات أخرى -هل حقا كانت كذلك!- قبل أن ألمح فجأة تلك الدمعة الحارة التي انسابت فجأة على وجنتها.. أيضا بنظرة صامتة ودون أدنى انفعال..!!
وفي نفس اللحظة التي تحولت فيها الإشارة الضوئية من الأحمر إلى الأخضر.. وقبل أن أنطلق في طريقي.. فرت دمعة تأثر مرتجفة من عيني أخفتها نظارتي السوداء..!
عفوا سيدتي.. كنت أظنكِ بلا إحساس.. بينما كنتِ كَبَحرٍ هادئٌ سطحه تصطرع الحيتان في باطنه!!!

الخميس، أبريل 28، 2011

40 فلاش باك(11): !!..C'est la vie

"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. Flashback"
______________


!!..C'est la vie




كانت هذه الذكرى منذ 20 عاما..


عندما مررتُ أسفل ذلك البيت القديم.. تطلعتُ إلى نافذته المشرعة وقد أطلَّت منها أضواء باهتة ممتزجة بصوت القارئ - جهوري الصوت - وهو يتلو آيات من القرآن الكريم.. تلك عادة ترتبط عند الكثيرين في مجتمعنا بمثل هذه المناسبة فقط.. مناسبة الموت..!

هذا الجو ملأ نفسي حزنا عميقا وكآبة شديدة؛ فقد كنتُ أعرف خلفية الحدث كغيري من أبناء المنطقة...

لقد فقد هذا البيت رب أسرته، ذلك المعلم كبير السن الذي خرج من تحت يديه أجيال وأجيال تمدح أخلاقه يوما بعد يوم.. فَـقْـدُ مثل هذا الرجل كفيلٌ بإصابة الجميع بالحزن العميق..

لكن طريقة فَقدِهِ كانت كفيلة بإصابتنا بصدمة أتبعتها كآبة..

أصيب الرجل في أعوامه الأخيرة بمرض (ألزهايمر) (1).. 

ورغم حرصهم على رعايته، إلا أنه خرج يوما في غفلة منهم.. واختفى تماما.. وظل الجميع يبحث عنه بجزع خشية أن يصاب بسوء مع حالته المَرَضية تلك.. ومع كل يوم يمر على اختفائه كان الخوف من إصابته بسوء تتعاظم.. حتى جاء اليوم الموعود ليُكتشف المسكين غريقا في تِرعة مدينتنا(2)...!!!



ومن شدة ما أصابني من كآبة وحزن.. قلتُ يومها في نفسي - حديثة العهد بدروس الدنيا وحِكم الدهر -: "هذا البيت لن يرى السعادة يوما بعد ذلك...!" 


* * * * *


كانت هذه الذكرى منذ 19 عاما..

كان اليوم قد مر عامٌ كاملٌ بالتمام والكمال (عرفتُ ذلك لارتباط الحدث بمناسبة وطنية) عندما مررتُ تحت نفس البيت القديم.. وتحت نفس النافذة..

لكن - لدهشتي البالغة - كانت الزينة تغطي البيت.. والأضواء الملونة تحيط بالنافذة التي تتصاعد منها - هذه المرة - أصوات الأغاني الممتزجة بالزغاريد وصخب الأطفال مع ضحكات الكبار ...!!!

لم أكن أعرف المناسبة.. هل هي يوم ميلاد أم حفل زفاف..!

لكني - يقينا - تعلمتُ درسا جديدا في هذه الحياة...!!!

* * * * *

دعكَ مما تعلمتُه أنا.. وأخبرني: ماذا وصلك أنت من هذين المشهدين؟!!!

_____________

(1) الخرف الشيخوخى أو Alzheimer (تيمنا بالطبيب النفسى "ألويس ألزهايمر" الذي وصف المرض وشخصه في عام 1906م): مرض شائع من أمراض الشيخوخة.. عوارضه تختلف من فرد إلى آخر، إلا أن له أعراضا مشتركة، أهمها صعوبة تذكر الحقائق التي تعلمها المريض حديثا.. وبتطور المرض، تشتمل الأعراض على التشوش، والتقلبات المزاجية، وانهيار اللغة، وفقد الذاكرة على المدى الطويل..!

(2) (لغير المصريين) الترعة: مجرى مائي صغير نسبيا متفرع من النيل أو موازٍ له.

الخميس، أبريل 07، 2011

37 من قصصي(3): التاريخ لا يعيد نفسه..!!

التاريخ لا يعيد نفسه..!!
(قصة قصيرة واقعية)



الزمان: العام الدراسي 1983 -1984م
المكان: فصل دراسي
الشخصيات:
1- المعلم
2- طفل لم يتعدَّ العاشرة
نهار / داخلي

المعلم يتجول في الفصل وقد ارتفع صوته لا إراديا أثناء انفعاله في الشرح، ومن وقت لآخر يفاجئ أحد تلاميذه بسؤال يكشف له مدى انتباه هذا الأخير للشرح.. وبالطبع كان من التلاميذ من يستطيع الإجابة وينجو؛ فيتنفس بعدها الصعداء آملا أن يخفف هذا من احتمالية سؤاله مرة أخرى.. على الأقل خلال هذه الحصة..! بينما يقع بعضهم متلبسا بالجرم الشنيع.. شروده وعدم انتباهه للشرح.. وحينئذٍ...!!!
وتمر اللحظات الثقيلة.. ويستمر المعلم المعقود الحاجبين دائما الثاقب النظرات أبدا في جولته المرعبة بين طاولات الأسرى الذين يحاول كل منهم ثقب حذائه بنظراته معتقدا أن ذلك كاف لنجاته صارخا في أعماقه كلما اقتربت منه الخطوات: هل سأنجو هذه المرة.. أم ستكون الرصاصة التالية من نصيبي؟

وفجأة.. تقع عينا المعلم على مشهد لم يتوقعه....!!

* * * * *

الزمان: العام الدراسي 2003 -2004م
المكان: فصل دراسي
الشخصيات:
1- الأستاذ ماجد
2- طفل لم يتعدَّ العاشرة
نهار / داخلي

الأستاذ (ماجد) يشتهر بين تلاميذه بمداعبته الدائمة لهم أثناء الشرح، وبإمدادهم بالمواقف الأخلاقية والإيمانية كلما سنحت الفرصة رغم أن مادته ليست التربية الإسلامية... لكنه يشتهر أيضا بينهم بحدته وسرعة انفعاله عندما يسيئ أحد التلاميذ الأدب خارجا عن أخلاقيات التعامل بين المعلم والتلميذ، كما يشتهر بشدة غضبه عندما يكتشف عدم انتباه أحدهم للشرح وانشغاله بأمر تافه لا يجوز أن يلهيه عن شرح المعلم.. ورغم علمهم أن الأستاذ (ماجد) نادرا ما يستخدم العقاب البدني الذي -كما يخبرهم دائما- يستخدم في توجيه الحيوانات، ولا يصفع على الوجه - كما يفعل غيره بسهولة - لأن هذا منهي عنه شرعا.. إلا أن كل منهم كان يخشى بشدة أن يقع متلبسا بالشرود وعدم الانتباه؛ لأنه لن يسلم وقتها من الغضب العاصف لأستاذه؛ حيث يتلقى من شديد الصراخ وقاسي الكلمات - المبالغ فيهما - ما كان يتمنى المسكين معه أحيانا أن يُضرب بالعصا وكفى..!!!

وفي ذلك اليوم، أثناء جولة الأستاذ (ماجد) بين تلاميذه، وقعت عيناه على مشهد لم يتوقعه....!!

* * * * * 

وقعت عينا المعلم على ذلك التلميذ الذي أمسك بقلم ملون، وانهمك تماما في الرسم على طاولته الملساء..
كان بارعا في الرسم حتى أن جميع زملاء فصله كانوا يخطبون وده لكي يرسم لكل منهم في دفتره إحدى الشخصيات الخارقة الشهيرة التي يبرع في تصويرها، مثل سوبرمان أو بات مان أو سبيدرمان أو جريندايزر...
لكن المعلم لا يعرف هذا.. ولا يعنيه.. ما كان يعنيه في هذه اللحظة أن هناك من يستهين بحصته وبوجوده حتى أنه واتته الجرأة لكي ينهمك في الرسم أثناء الشرح؛ لهذا تجده قد توقف عن الشرح، وتحرك في خطوات ثابتة هادئة - قاصدا ألا ينتبه إليه الطفل الشارد تماما- لهدف في نفسه..
وأخذ يقترب ويقترب.. والجميع يحبس أنفاسه مترقبا ما سيحدث بعد لحظات..
كل ذلك والطفل ما زال شاردا في عالم آخر مع شخصياته التي ملأت الطاولة أمامه..

وتوقف المعلم خلفه مباشرة...!

* * * * *


وقعت عينا أستاذ (ماجد) على مشهد تلميذ في طرف الفصل وقد دفن رأسه بين ذراعيه المنعقدين على الطاولة وذهب في نوم عميق...
توقف فجأة عن الشرح، وتحرك ببطء وهدوء مقصودين نحو التلميذ النائم...
حاول أحدهم تنبيه ذلك النائم، إلا أن أستاذ (ماجد) منعه بإشارة متوعدة من يده...
شخصت أبصار بقية التلاميذ وقد فطنوا إلى سبب توقف الشرح، وتصاعدت همساتهم ونَمَت ابتساماتهم السادية متصورين ما سيحدث بعد لحظات..
كانوا يتشوقون لرد فعل أستاذهم الذي يثير جنونه مجرد حديث جانبي بين اثنين أثناء شرحه.. فماذا بتلميذ مستغرق في النوم..!!

وتوقف الأستاذ أمام التلميذ النائم مباشرة...!

* * * * * 

هَوَت كفّ المعلم العملاقة على مؤخرة رأس الطفل بضربة قاسية عنيفة، حتى أن الدنيا أظلمت أمام عينيه لنصف دقيقة كاملة..
شعر المسكين وقتها بمزيج مخيف - لم يغادر ذاكرته أبدا - من الحيرة والذعر مما أصابه من عمى مؤقت..!
وبعد أن ارتد إليه بصره، وبدأ في استيعاب وإدراك ما حدث، تحول شعوره إلى خزي ومرارة شديدة - أيضا لم ينسهما أبدا - من جَرَّاء ضحكات زملائه التي تعالت استمتاعا بمشهد ذهوله.. فضلا عن دهشته من نظرة التشفي الواضحة في عيني المعلم وقد علت محياه مخايل الانتصار.. لقد انتقم لنفسه ولكبريائه..!

الآن اتضح للجميع هدف أستاذهم من الاقتراب بهدوء من تلميذه الشارد...!!!

* * * * *


فوجئ التلاميذ بأستاذ (ماجد) وهو ينحني نحو زميلهم النائم، ثم يربت بحنان على كتفه موقظا إياه برفق ولين..
عندها انتبه الطفل من نومه؛ ليتفاجأ بمن أيقظه.. وقبل أن يعلو الخوف ملامحه، قال له معلمه بابتسامة ودود ولهجة مشفقة: هل تأخرت في النوم ليلة أمس؟
أومأ التلميذ -الذي زايله الخوف وحل محله الخجل- برأسه إيجابا، فقال له أستاذ (ماجد) -ولم تفارقه ابتسامته-: اذهب إلى الحمام واغسل وجهك بسرعة حتى لا يفوتك الشرح.

الآن اتضح للجميع هدف أستاذهم من الاقتراب بهدوء من تلميذه النائم...!!!
أستاذهم الذي قفزت أمام عينيه - أثناء سيره نحو تلميذه - ذكرى خاطفة...ذكرى لموقف حدث منذ عشرين عاما..!!!

* * * * * 


هل يعيد التاريخ نفسه؟
قطعا لا..
فنحن الذين نملك أن نجعله يفعل.. أو لا يفعل!!!

السبت، ديسمبر 04، 2010

46 فلاش باك(9): ألم أحدثكم عنها بعد..؟!

فلاش باك (9)
"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback"
___________

ألم أحدثكم عنها بعد..؟!

قارئي الكريم.. قبل أن تقرأ الأسطر التالية أود - من باب الأمانة - أن أنبهك إلى أنها تخص ذكريات عزيزة للغاية على نفسي.. استغرقتُ الكثير بالفعل لأجرؤ على البوح بها.. ولأن البوست طويل نسبيا، فقد نبهتك حتى لا تتهمني بتضييع وقتك على شيء يخصني.. عامة أنا لا أملك سوى أن أقدمها لك في قالب أدبي قد يروقك أو لا.. أما إن كنت ستقرر المغادرة، فأقدم لك - تحية وتقديرا لاهتمامك بي وزيارتك لمدونتي - خلاصة ما أردتُ قوله في هذا البوست، وهو:
"إذا أنعم الله عليك بشخص يفهمك وتفهمه للدرجة التي تمتزج فيها روحيكما معا؛ فمن الحماقة - كل الحماقة - أن تغفل عنه أو تتركه بملكك؛ فالحياة لا تجود بمثل هذه العلاقة بسهولة.. بل قد لا تصادفك إلا مرة أو مرتين في العمر".

* * * * *

عن سبب العنوان:
قد تعتقدون أنني حدثتُكم عنها سابقا..
للأسف هذا ليس صحيحا..
الآن أحدثكم عنها..!
* * * * *

سأصطحبكم اليوم معي في (آلة الزمن).. هل نسيتم أنني أملك واحدة؟! لا بد إذن أنكم لم تتابعوا سلسلة: "هل يملك أحدكم (آلة الزمن).. مثلي؟!".. 
على كل حال.. سأقدمها قريبا من جديد بإذن الله.. أما الآن فهيا بنا...
لا.. لن تحيط بنا تلك الأضواء الصاخبة.. أو الدوامات العجيبة.. فالأمر بسيط للغاية.. فقط انتقلوا إلى السطر التالي....
نحن الآن قد انتقلنا بالفعل..
الزمان؟
ظننت ذلك واضحا.. إنه منتصف ثمانينات القرن السابق..!
المكان؟
تسألون أسئلة غريبة.. إنه منزلنا بالطبع..!
هؤلاء؟
إنهم أفراد أسرتي بالتأكيد.. لكن لا تكترثوا لهم وانظروا إلى هناك.. أجل.. إلى تلك الطفلة الصغيرة النحيلة التي تمشي في المنزل وهي تتمايل مع الأغنية التي تغنيها في شبه غيبة عما يحدث في المنزل؛ فهذا ديدنها كلما حفظت أغنية جديدة في مرحلة الروضة التي لم تتجاوزها بعد..
يسألني أحدكم: لماذا هذه الطفلة بالذات؟
أجيبه بدهشة: طبعا لأنها سبب رجوعنا بآلة الزمن..!
أما هذا الذي يقترب منها فهو أنا (في العاشرة من عمري)..
راقبهما جيدا.. كانا على وفاق دائم...
يلعبان معا.. يتسامران معا.. يطلعها هي فقط على مجلاته المصورة.. يشركها دون غيرها في اللعب بألعابه الخاصة..
أليست تلميذته المخلصة التي تتبعه كظله؛ فتتشرب منه المعلومات والأفكار والخبرات..
أرى بعضكم يخفي ابتسامة ساخرة من كلمة (خبرات)..!
أخبروني إذن كيف تنظر طفلة في الروضة إلى أخيها الذي يكبرها بست أعوام كاملة..؟ لا بد أنه خبر الحياة بأسرها.. بل إنه بالتأكيد لديه إجاباتٍ لأسئلة الكون كلها!!!!
كانت تفهم ما يريد منها فقط بنظرةٍ من عينيه، وتلبي له كل ما يرغب عن طيب خاطر..
وهو يسعد أيما سعادة كأي طفل يكتشف أن هناك من يقدِّره، وينصت بتشوق إلى حكاياته..
هناك من يتطلع بانبهار إلى قصصه المصورة التي دأب على رسمها..
وكان هذا التوافق كثيرا ما يثير غيرة الأخت الثانية (التي تصغره بأقل من عامين).. خاصة عندما تتشاجر الأختان؛ حيث كان يتحيز للصغرى تحيزا مستفزا ولو لم يكن الحق مع تلك الأخيرة..!!!
* * * * *

ننتقل بآلتنا نقلة ثانية...
مرت سنوات الطفولة البريئة...
صحيح أنها كانت مليئة بالمكر.. لكنه مكر الأطفال الذي تستمتع بمشاهدته..!
ومليئة بالشجار.. لكنه شجار الأطفال الذي لا تحلو الحياة بدونه..!
ويكبر هو.. وتكبر هي..
هي الآن على أعتاب المراهقة التي يوشك هو على مغادرتها..!
العلاقة الآن أكثر نضجا.. وأكثر تعقلا.. لم تعد ذلك التابع الذي يسمع بلا نقاش، أو يتلقى بلا نقد..
صار لها عالمها الذي يتشابك كثيرا مع عالمه، لكنه - في النهاية - يبقى عالمها الخاص..!
عالم من الأفكار والقناعات بذلت من أجل بنائه الكثير، ولاقت من أجل تشييده الكثير.. ذلك أن الجميع ما زال يراها تلك الصغيرة الساذجة..! يسخر من آرائها، ويستخف بأقوالها.. أقصى ما كانوا يعبرون به عن جرأتها في إبداء الرأي وصراحتها في الحق أن.. (لسانها طويل)!!!
لكن المشكلة أنه هو بالذات كان - بصورة أو بأخرى - يشاركهم ذلك..!
لم يكن يدرك أنه يزيدها عزلة..!
نعم هي كانت مرحة.. اجتماعية.. كما يقولون: (تصاحب طوب الأرض!)... لكنها في عزلة من نوع آخر.. هل تعرف شعور ذلك الرجل -في الإعلان الشهير- الذي يجلس في (الاستاد) بين آلاف المشجعين أثناء مباراة حامية لكرة القدم.. لكن صداعا شديدا يفتك برأسه هو بالذات.. هل يشعر به أحد؟! بل هل يشعر هو بوجود أحد؟! إنها الوحدة المريرة والانعزال القاتل!!!
كل ذلك وهو لا يدرك عزلتها.. ولا يفهم معاناتها..!!
* * * * *

وقد جاءته إشارات توضح له أن شخصيتها قد تغيرت.. أنها (بالتعبير العامي) قد فُطِمَت منه..!
خذ عندك مثلا قرارها المصيري في الثانوية العامة...
نجحت وأحرزت مجموعا أهلها للالتحاق بهندسة القاهرة.. حلمٌ يتمناه الجميع ويَرضَى عنه الأهل أيما رضا... لكن.. بعد مرور شهرين تقريبا، تقرر عدم الاستمرار.. لماذا؟
لأن هذا لم يكن حلمها.. وهي ترفض الاستمرار في طريق لم ترسمه بنفسها.. كانت تحلم بأن تكون طبيبة مسلمة.. طبيبة متفوقة وملتزمة تسد نقصا شديدا في مجال تفتقر نساء دينها إلى من يملؤه..
لك أن تتصور مدى الدهشة - بل الصدمة - التي اعترت الجميع..! ولولا أن الأب - رحمه الله - علمهم وطبق معهم معنى حرية الرأي، ومعنى أن يكون كل شخص مسئولا عن قراراته (مع ضرورة المشورة واستنصاح أهل الخبرة)، لما استطاعت اتخاذ قرارها شديد الصعوبة والتبعات بكل حرية وبدون ضغوط من الرافضين لقرارها..!
تترك إحدى كليات القمة (1) التي تتقطع أنفاس الكثيرين للوصول إليها، وتدخل السباق المحموم من جديد للوصول إلى قمة أعلى منها.. أضف إلى ذلك أنه ليس أمامها إلا أن تحصل على مجموع طب القاهرة بالذات؛ لأن التحويل كان شبه مستحيل في تلك الفترة!!!!(2)
أما هو.. فقد نبهها لعقبات وصعوبات اتخاذ القرار.. لكنه بلا تردد شجعها، وهو يتطلع إلى كل ذلك بمشاعر الغبطة و.... الانبهار!
نعم.. الانبهار بصلابتها وقدرتها على اتخاذ القرار الذي عجز هو عن اتخاذه يوما..!
يومها أدرك أن مرحلةً جديدةً في علاقتهما قد لاحت في الأفق.. مرحلة سيبدأ خلالها هو أيضا في التعلم منها...!
أدرك ذلك ولكنه لم يعترف به.. لا لها.. ولا لنفسه!
هل لأنه لم يصدق؟ أم لأنه لم يرغب أصلا في أن يصدق!
حقا لا يذكر، لكنه يجزم الآن - بعد مرور كل تلك السنين - أنه كان سيتعلم منها الكثير، فقط لو أنه قد بقي بجوارها.. لكن الله قدر لعلاقتهما أن تتخذ منحى جديدا...!
* * * * *

بعد انتهائه من الدراسة الجامعية اضطر إلى السفر للعمل بالخارج.. في نفس الوقت الذي كانت تشرف فيه على مواجهة أكبر أزمة في حياتها..
ابتلاء قدر الله أن تواجهه بمفردها؛ ذلك أن السفر فرق بينهما..
الحقيقة - التي آلمه الاعتراف بها - أن المسافة كانت لِتزولَ لو أنه أدرك ما هي فيه من آلام.. لكنه - لغفلته - استغرق فترة طويلة للغاية ليدرك ذلك.. كما أنه - لحمقه - لم يُفْدها بشيء حينما كان يقسو عليها بلا صبر في محنتها معتقدا أنه يقوم بالأصلح؛ فيضرها من حيث أراد نفعها..!!!
وكان عليها أن تواجه.. وأن تسقط.. وأن تقاوم.. وأن تقوم...
وتمر الأعوام.. وتعلمت الكثير.. لقد قفزت بها المحنة لتتخطى بعقلها وخبرتها سنوات عمرها..
ترى ذلك في تَصَوُّرِ قرائها دوما لعمرها بما يزيد عن الحقيقي بعقد من الزمان على الأقل؟!!
وقدَّر الله أيضا أن يكون هذا الابتلاء لها بمثابة أتون حراري يزيل عنها الخَبَث.. خَبَث الضعف والاحتياج إلى الآخرين.. ثم يعيد تشكيلها من جديد؛ لتخرج بشخصية ذات معدن نقي نفيس شديد الصلابة في مواجهة قسوة الظروف وغوائل الأحداث..!
* * * * *

كل ذلك وهو لا يدرك ولا يفهم ولا يشعر بما تمر به، معتقدا أنه يدرك.. ويفهم.. ويشعر..!!
ما زال يراها - لسذاجته - تلك الطفلة النحيلة التي تغني وهي تتقافز كالفراشة..
ما زال يراها في احتياج إليه.. في انتظارٍ لما يجود به عليها من وقت..!
لم ينتبه إلى أن الزمن يمر بلا توقف.. ويغير كل شيء.. بثبات.. وقسوة..
حتى جاء اليوم الذي تَعَرَّفَ فيه على عالم المنتديات الذي سبقته هي إليه.. وقرأ ما تكتبه عن نفسها وعن الحياة..
وكانت المفاجأة التي يحتاجها ليفيق.. وليدرك أن الزمن يمر بلا توقف.. ويغير كل شيء.. بثبات.. وقسوة..!!!
ليدرك أن (نسرين) التي تركها يوما ليست هي التي يراها أمامه الآن..
ليدرك أنه قد غدر بها.. ألم يعدها دوما بألا يفترقا..؟ ألم يعدها دوما بألا يتخلى عنها..؟
هو اليوم جاء - بكل ألم - ليقول لها:
"حبيبتي (نسرين)... أنا آسف والله على كل موقف احتجتي إليّ فيه ولم تجديني..! وصدقيني.. كل خبرة أقرأها في مقالة من مقالاتك تجعلني أدرك - المرة تلو المرة - الحقيقة الـمُرة وهي: أنكِ كبرتِ وأنا في غفلة عنك!!"
* * * * *

أقدم هذا الاعتراف - بل هذا الاعتذار - في يوم مولدك، متشفعا بهذه المناسبة السعيدة لعلكِ تغفرين لي تقصيري في حقك..!!
_____________
(1) للأسف رفضي لهذا التصنيف غير المنصف ليس كافيا لنفي هذه التسمية التي هي واقعٌ مجتمعيٌ لا مفر منه!
(2) بالمناسبة.. لقد نجحت في التحدي بالفعل، وهي الآن طبيبة في مستشفى (...........) المركزي.

الثلاثاء، أكتوبر 12، 2010

24 فلاش باك(7): وقلت لها: I love you..!

فلاش باك (7)
"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback"
________________

وقلت لها: I love you..!



اليوم أتبع طقسا جديدا في المدونة.. وهو استضافة أحد الأصدقاء المدونين عبر إدراج موضوعه.. تعرفون أني لم أحب (المواضيع المنقولة) قط.. لكن هذا استثناء من أجل التغيير؛ فربما مللتم قلمي.. فضلا عن أن ضيفي - أو للدقة ضيفتي - هي شخصية ذات مكانة خاصة في حياتي.. أليست تتقاسم كل شيء معي..؟ الذكريات.. الأفراح.. الأحزان.. القراءات... الأسرار!!!
لا بد إذن أن تكون لها تلك المكانة.. رغم الغربة التي تفرقنا معظم شهور العام...!
هل تعرفتم عليها من قبل؟... لا؟ إذن أنصحكم أولا بالرجوع إلى الماضي مع هذا الرابط.. ثم العودة إلى المستقبل لنتابع هذا الموضوع..
* * * * *
بما أن هذه التدوينة في زاوية فلاش باك، فهي إذن تحمل إحدى ذكرياتي .. ولكن ضيفتنا (د.نسرين القاضي) كانت قد سبقتني بتدوين تلك الذكرى منذ ما يزيد عن العام في مدونتها (خنجر الحرف).. ولأني لم أكن لأضيف شيئا عما ذكرته تقريبا، أردت أن أدعها هي تسرد هذه الذكرى المشتركة...
لذا فكل ما سيأتي لاحقا هو من وجهة نظرها وبكلماتها وبمشاعرها...
* * * * *
قال لى: (آى لاف يو)!!
منذ عدة أيام شعرتُ باختناق شديد وبلهفة لأخى العزيز ماجد.. وكان الوقت قد تأخر.. وشعرت بموجة من اللهفة تغزونى حتى أننى لم أطق الانتظار حتى اليوم التالى كي أتصل به.. فاكتفيت برنة بسيطة على تليفونه المحمول، فإذا به يرد عليَّ بسرعة برسالة قائلا: بحبك.. وحشتيني!!
وكأنه يقول لى أشعر بما تشعرين به!!
ابتسمت وسالت دموعي..
وهى ليست المرة الأولى التي تحدث فيها هذه المواقف العجيبة.. والتى تدل على تواصل روحي بيني وبينه لا أجد له تفسيرا إلى الآن؛ فمنذ سنتين كنتُ أفكر فيه فى أمر ما، وظل قلبى يدق بعنف حتى أنني لم أطق انتظارا وأرسلت له برسالة، وإذا به بعدها بساعتين يقول لي أنه في نفس التوقيت بالظبط وبدون إنذار شعر وهو على سريره قبيل النوم برغبة ملحة فى أن يسمع صوتي وتقريبا بنفس الشعور الذى شعرت به تجاهه!!
والمواقف التي تبرز الرابط الوثيق بين روحينا كثيرة؛ لذا عبرتُ عنها فى إحدى خواطري القديمة تحت عنوان :"مني إليك!!".. كتبت فيها:

أحببتك حبا ملك على جوانحي
بادلتنى مثله وأشد
تعجب منه الكثيرون
فيتساءلون: إنكما مجرد .............!!!
فنتبادل النظرات ونبتسم!!
لا يفهمون!!!
* * *
انهالت عليَّ الأزمات
ولا أتكلم!!
يتساءل الجميع ما بها؟؟!
لا أتكلم!!
تنظر إليَّ بعمق
تجذب كل أفكاري إليك
تذوب أحزاني فى عينيك
تقول لهم: دعوها
لقد فهِمْت
فيتعجبون
ويتساءلون: إنكما مجرد..............!!!
فنتبادل النظرات ونبتسم!!
لا يفهمون!!!
* * *
مات أبي
جئتَ إليَّ مسرعا
ضممتني إليك
قلتَ لي: ما أتيت إلا من أجلك
فقط من أجلك
فيتعجبون
ويتساءلون: إنكما مجرد...............!!
فنتبادل النظرات ونبتسم!!
لا يفهمون
* * *
مضى الزمان واختفى المكان
ما عدتُ أنا
ولا عدتَ أنت
ولا زلنا على العهد
فيتعجبون
ويتساءلون: إنكما مجرد... أخوين!!
فنتبادل النظرات ونبتسم!!
الآن يفهمون!!
* * *
إهداء لأخي ماجد.. وحشتني قوي..!

الاثنين، أكتوبر 11، 2010

21 فلاش باك(6): موقف لا أحسد عليه..!

فلاش باك (6)
"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback".
________________
موقف لا أحسد عليه..!

تعودتُ تشغيل بعض الأناشيد كخلفية لوعيي أثناء العمل.. وإن لم أكن مشغولا بعمل كتابي يستدعي التركيز الذهني أشغِّل إحدى المحاضرات الهادفة...وفي ذلك اليوم كنتُ أجلس بمفردي عندما دخل الغرفة بهدوئه المعتاد.. لكن هذه المرة كان يحمل هَمًّا كبيرا رأيتُه واضحا في عينيه..
لقد تعودتُ أن أقرأ الكثير من نظراته؛ حيث كان قليل الكلام كثير الصمت.. على عكسي تماما...!
احترمتُ صمته لفترة لعله يفضي إليّ بما يعتمل في صدره، لكن الصمت طال، وتنهداته الحارة الثقيلة تقطعه من حين لآخر..!
قررت المبادرة.. فسألته عما به؛ لعلي أقدر على مساعدته، وإن لم يكن فلأخفف عنه بالاستماع إليه... لكنه اكتفى بابتسامة صامتة تقول أن كل شيء على ما يرام..!إ لا أن هذه الابتسامة نفسها أخبرتني بأن أمرا جللا يهز حياته.. كدتُ أقسم على ذلك...!
ليس من شيمي تدخلي فيما لا يعنيني، ولو أن الموقف كان مع شخص آخر لتركته وشأنه.. لكني كنت أحبه بصدق، ويثقل عليّ أن أستمر في عملي ببساطة وهو في هذه الحال..!!
لذا حاولت الولوج إلى سريرته والتخفيف عنه بطريقة غير مباشرة؛ فشغَّلتُ أحد أناشيد الرقائق التي تتحدث عن فناء هذه الدنيا، وأنه ليس هناك ما يستحق الحزن عليه إن فات.. وأن على المرء الاهتمام بالآخرة لأن الراحة الحقيقية لن تكون إلا في الجنة... كانت الكلمات رائعة واللحن شجي وصوت المنشد الشهير رخيم عذب...
رأيتُ في عينيه تأثرا.. وحسِبتُ للحظة أنني أصبتُ الهدف، فتقدمت خطوة أخرى.. ورحتُ أحدثه - بلهجة الخبير الذي عرك الحياة وعركته - عن المصائب التي تبدأ كبيرة وتصغر مع الأيام.. وعن الفرص التي إن ضاعت - مهما كانت عظيمة - فإن غيرها تأتي لا محالة.. وعن الصحة التي ما دمنا نتمتع بها فإن كل بلوى تهون..!!!
كل ذلك وهو يستمع إليّ دون أن ينبس ببنت شَفَة..!
وفجأة دق جرس الحصة؛ فاضطررتُ لأن أتركه، واستأذنته على وعد بأن نكمل حديثنا بعد انتهائي من حصتي...!!!!
في اليوم التالي لم يأتِ إلى المدرسة، وعرفتُ أنه في إجازة لأجل غير مسمى..!
* * * * *
مر شهر كامل ونحن نعوده في المستشفى.. كان خلالها يذبل تدريجيا من أثر السرطان.. ثم سافر - بعد إلحاح من الأطباء - إلى الوطن.. ليموت بعد عودته بيوم واحد...!ا
الكل بكى على فراقه.. لكن بكائي كان يحمل طابعا آخر.. طابعا من الحزن الممزوج بالمرارة وتأنيب الضمير....!
ففي جلستنا تلك... كان الطبيب قد أنبأه لتوه بمصيره...!!!
كان درسا قاسيا للغاية علمتنيه الحياة..
بل صفعة تذرف لها دموعي حتى الآن كلما تذكرتها...!!
فقط .... أريد أن أتأسف له..!!

الجمعة، يونيو 18، 2010

14 فلاش باك(5): العودة من المستقبل..!

فلاش باك(5)
"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback".
________________


العودة من المستقبل..!





المكان: غرفة ماجد ببيت والده الذي نشأ فيه.
الزمان: عصر أحد أيام صيف عام 92 أو 93 من القرن الميلادي السابق.
الأشخاص: ماجد (الشاب الجامعي) يقرأ في الشرفة (البالكون).. أخته نسرين (فتاة المرحلة الإعدادية)(1) تقرأ داخل الغرفة.. أمه (ذات الوجه الملائكي الذي لن تصدق أبدا أنه في منتصف الأربعينات) تنهمك في كَيِّ الملابس...
جو عليل..
نسمات هواء منعشة تتسرب من باب الشرفة فضلا عن رائحة القهوة الزكية التي تتسرب إلى الأنوف..كل ذلك كان دعوة تجبرك على التأمل والذوبان في شيء ما.. في مكان ما.. في زمن ما..!
طبعا يصعب على ماجد ونسرين -إذا اجتمعا- أن يصمتا لعشرين ثانية متتالية.. فهما مع الغرباء أخرسين كَسمكَتَيْن.. ولكن اجمعهما سويا -فقط سويا- فتحصل على أكبر ثرثارين في العالم.. وأتحداك أن تقدر على إخراسهما...!
ماجد (بعد فترة صمت طويلة.. 3 ثوان): عارفة يا نسرين؟ أنا باحب قوي جو القراءة مع القهوة ده.. بالذات وقت العصر.
نسرين: وانا كمان.
الأم: انتو واخدين حُبّ القهوة ده مني.
ماجد (وقد مَرَّرَت القهوة فمه): بمناسبة القهوة يا نسرين، روحي هاتيلي مية.
نسرين (بتحدٍّ التصق بجيناتها الوراثية منذ كانت جنينا!): اشمعنا؟ ما انا كمان بقرأ!
ماجد (بأسلوبه الذي يجيد به ابتزاز مشاعر نسرين): ماااااشي يا نسرين.. بكره ييجي اليوم اللي ما تطوليش فيه قعده زي دي..!
نسرين (بسخرية من أسلوبه الذي حفظته): ليه، إيه اللي هيحصل يعني؟!
ماجد (مستخدما طريقة جديدة للابتزاز لم تعهدها نسرين): إنتي فاكره إن الأيام هاتفضل على ما هيَّ عليه؟
نسرين (ومشاعر الطفولة البريئة بداخلها تتوجس): تقصد إيه؟!
ماجد (ببطء وبعد تنهيدة حارة مدروسة مدركا أن ما سيقوله سيطرق على شيء ما بداخلها): بكره السنين تعدي ونكبر زي ما بيحصل في الأفلام.. وكل واحد مننا يتخرَّج ويتجوز ويتشغل في بيته وحياته عن التاني، وممكن تمر أيام وشهور وما نشفش بعضنا...! ولما نتقابل نقعد نفتكر بألم وحزن الأيام دي اللي مش هاترجع..! ونستغرب على التغييرات اللي عملتها فينا الأيام.. وساعتها هنقول مرارة: لشد ما تغيرنا!!!
طبعا لم يكن يجول بخاطرهما في تلك الأيام -ولا يمكن أن يصدقا- أن أحدهما يمكنه الاستغناء عن الآخر يوما واحدا...!
فإذا بكلمات ماجد تأتي بنتيجة عجيبة لم يقصدها ولم يتوقعها.. لقد مست شيئا ما بداخله هو.. انتزعت أحد مخاوفه الدفينة.. بل نقلته -كان هذا شعوره بالضبط- عبر الزمن إلى حيث تخيل.. وأضحت تلك المشاهد المستقبلية ماثلة أمام عينيه.. فإذا بدمعات حارة تنساب على وجنتيه وهو يتمنى امتلاك (آلة الزمن) المستحيلة التي ستعيده إلى تلك الأيام التي فقدها، رغم أنه.... لم يغادرها أصلا!!!
ولم تختلف مشاعر نسرين عن ذلك كثيرا.. كيف عرف ماجد؟!
قل لي إذن ما سبب نبرة صوتها المهتزة وخلجات وجهها المضطربةعندما هتفت في وجهه: اسكت يا ماجد.. لحسن هاعيط والله..!!
بل -ولمزيد من الغرابة- أثارت تلك الكلمات الأم؛ فشخصت ببصرها نحوهما..
وتنهدت بدورها، قبل أن تقول بتأثر واضح وإشفاق عليهما: أنا عارفه يا حبايبي الشعور الي انتو حاسينو دلوقتي!!
نعم.. لقد نقلت الكلمات ماجد ونسرين إلى المستقبل الذي سيعودان منه في سلام بعد انتهاء الموقف.. إلا أنها نقلت -ويا لقسوتها- الأم إلى الماضي... ماضيها الجميل.. حيث كانت تعيش في بيت أبيها.. حيث كانت طفلة تمرح.. طفلة لها أحلام تعرف وحدها الآن ما تحقق منها وما لم يتحقق.. ولمزيد من القسوة.. تعرف وتدرك تماما أنها صارت في ذلك المستقبل الذي يتخيله ابناها.. وأنها لن تعود منه أبدا...!!
_______________
(1) اليوم هي زوجة وأم وطبيبة.. وصاحبة مدونة "منتحرة بخنجر الحرف".