‏إظهار الرسائل ذات التسميات ومضات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ومضات. إظهار كافة الرسائل

الخميس، يناير 12، 2012

29 صديقتي (وِلسون)..!


قبل أن تظن بي الظنون، أو تنعتني بالمتغرب المتفرنج انتظر قليلا وسأشرح لك الموضوع من بدايته..

    لسبب ما - ستعرفه - استعدت بذاكرتي مشاهد فيلم Cast Away للممثل المميز (توم هانكس) الذي شاهدتُه منذ عدة أعوام.. وفيه نرى البطل وقد انتقل بتصاريف القدر - بين عشية وضحاها - من قمة المدَنِيَّة الحديثة بكل رفاهيتها (ممثَّلَة في عمله مديرا بإحدى الشركات الأمريكية الكبرى) إلى قمة البدائية (ممثلة في جزيرة معزولة في المحيط)؛ وذلك بعد سقوط طائرته ونجاته منفردا من بين كل طاقمها..!
    وعبر سيناريو نادر الكلمات - لكنه رائع التصوير- يُبْرِز الفيلم لنا عدة معانٍ قيِّمة في الحياة..
    من أهمها - في رأيي - ألا نركن إلى حال في هذه الدنيا فليس فيها شيء مضمون أبدا، وأن علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للأسوء مهما كنا نرفل في رفاهة من العيش..! ومنها - وهو ما أُعنى به في هذه الومضة - أن علاقاتنا بالآخرين هي إحدى ضرورات الحياة، واحتياجنا لعلاقة ما بآخر - مهما كان شكلها - هي من طبائعنا التي جُبلنا عليها كَبَشَر..
    وقد أشار الفيلم إلى تلك الحقيقة وصورها بمثال رائع جاء مؤثرا بشدة.. فالبطل تمر عليه أسابيع طوال من الوحدة المملة الخانقة في الجزيرة، وكان من المخلفات التي التقطها من حطام الطائرة - على غرار ما فعل (روبنسون كروزو) مع حطام سفينته - كرةٌ جديدة، وفي لحظة ضيق أمسك الكرة بيد مجروحة ملوثة بالدم ليلقيها بعيدا بكل غضب، فإذا بدمائه ترسم على الكرة - بعشوائية - شكلا أقرب للوجه البشري؛ فبدت للبطل - ولنا - وكأنها شخص له كيان يتطلع إليه بصمت من بعيد..


ومع مرور الوقت -ومع التأكد من عدم وجود بشر على الجزيرة مع اليأس من وصول نجدة إليها- اتخذ البطل تلك الكرة (ذات الوجه البشري) صديقا يشاوره في أموره.. ويبثه همومه.. وفي لحظات الصفاء يريه صورة حبيبته ويحدثه عنها وعن أحلامهما سويا..! ولمزيد من التصديق (ليصدق هو نفسه بدلا من أن يجن) أطلق على (صديقه) اسم (ولسون)..!
    وتتوالى الأحداث.. وعند محاولة البطل مغادرة الجزيرة إذا بـ(ولسون) يسقط في الماء وتجرفه الأمواج الهائجة بعيدا عن الطَوْف الذي يركبه البطل.. وهنا نتأكد من مدى قوة (العلاقة) التي نشأت بينهما - بل مدى تصديق البطل لهذه العلاقة - عندما قفز في الماء متحديا الأمواج العاتية ومغامرا بحياته نفسها.. فقط لينقذ (ولسون)..!!


    القصة تمثل تجربة ثرية ذات أبعاد إنسانية لأقصى درجة..
    يومها -رغم تأثري- ابتسمت بشبه تهكم من تلك العلاقة الغريبة..! 
    ومرت الأيام...


    وأتى عَلَيَّ حين من الدهر عشتُ فيه - وما زلت - وحيدا بعيدا عن أسرتي ووطني.. ورغم وجودي في بلد عربي مسلم وإحاطتي بعدد كبير من الزملاء والرفاق.. إلا أنني في الغربة كثيرُ المعارف شحيحُ الصداقات.. أفتقر فيها لأقرب ثلاثة إلى قلبي.. لذا تجدني - حين يواجهني موقف عصيب أو تجربة قاسية - أعتزل المحيطين بي لأنطلق -لا ألوي على شيء - بسيارتي الجيب .. تلك العزيزة المريحة التي تتحمل قيادتي الصعبة وقسوتي عليها أحيانا.. كما أقضي بداخلها ساعات من التأمل أو الحزن أو الشوق أو الفرح.. وكما اتسعت لأغراضي مهما ثقلت فإنها صارت أيضا تتسع لآمالي وأحزاني وأشواقي.. وكم شَهِدَت تنهداتي وآهاتي ودموعي و-أيضا- ابتساماتي..!
    وفي أحد الأيام أضاءت هذه الومضة - أو لحظة التنوير - الجديدة.. فقد فوجئتُ بنفسي وقد استغرقتُ في حديث طويل مع سيارتي.. أشاورها في أموري.. وأبثها همومي.. وأسترجع معها لحظات سعادتي مع زوجتي وبنتَيَّ وآلام الشوق إليهن...!!
    هنا قفزت أمامي أحداث الفيلم كلها..وبعد لحظات من الصمت المشدوه.. انفجرت في ضحكات عالية تفوح منها رائحة الجنون.. ثم ربتُّ على (تابلوه) سيارتي الحبيبة، وقلت لها وأنا أنطلق بها: هيا بنا يا صديقتي.... (ولسون)!!!
_________________
تذييل لا بد منه:
هذا الموقف كان منذ أكثر من عام.. لكن ظروفي النفسية الآن صارت - بفضل من الله ونعمة - أفضل بعشرات المرات.. ولهذا أرى أن من أجمل فوائد المدونة التأريخ .. لا أقول للأحداث.. بل لمشاعرنا.. لنرى من حين لآخر كم نتغير.. وكم تغيرنا الأيام.. وكم هي نعم الله علينا بهذا التغيير...!

الاثنين، يناير 09، 2012

22 فلنسخر من مرضى القلب والكبد..!!



هل صدمك العنوان؟
لقد صدمني أنا أيضا..!
نعم.. ففي لحظة تنوير فوجئت أنني وأنت - ومعنا المجتمع في غالبه- نسخر ممن هم على شاكلتهم!!
ممن يشتركون معهم في أنهم... مرضى!
إنهم المجانين.. أولئك الذين نقول عنهم: أنهم.. في نعيم (!!!)


فهل حقا هم في نعيم؟
هل الذي حُرم أعظم نعمة منَّ الله عليه بها يُعَّدُّ في نعيم! بل هو الجحيم..
أليس جحيما أن تعيش وحيدا بين الناس؟!
أليس جحيما أن تتألم ليل نهار وأنت ترى عوالم وأشخاص وأحداث.. يؤكد لك عقلك أنها حقائق على حين يقسم المحيطون بك أنك لا ترى إلا سرابا وهذيانا؟! فإن لم يسخروا منك فلا تحَصِّلَ منهم - على أقصى تقدير - سوى نظرات الشفقة!
هل جربت أن ترى أحد أحبائك المقربين الذي كان مِلْءَ السمع والبصر في رجاحة العقل وقد فقد ذلك العقل وجلس أمامك ذاهلا زائغ النظرات حائرها؛ لأنك لا تصدق ما يرى ولا تسمع ما يسمع ولا تشعر بما به يشعر؟!


ما الفرق إذن بين مريض القلب والكبد ومريض الجنون؟!
أعتقد أن الفرق بيِّن؛ فمريض القلب أو الكبد يحظى بالرعاية والمساعدة ممن حوله.. بينما يحظى مريض الجنون بالرعاية من أهله وذويه ويحظى فوقها بالسخرية من المجتمع في ظاهرة قميئة يتولى كِبْرَها إعلامنا غير المبالي وغير المسئول حينما يصر - عبر عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات - على تقديم عالم المجانين في ذلك القالب الهازئ الساخر..!


فإذا كنا نُصِرُّ على مجاراته في هذه السخرية، فلنسخر إذن من مرضى القلب والكبد!!

السبت، أكتوبر 01، 2011

27 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (2من2)

 Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(2من2)


ذكرتُ في البوست السابق سبب تأثري بشخصية آنجل (مصاص الدماء) الذي عاش سنين طويلة في معزل عن الآخرين..
عشرات السنين كانت كافية لجعله يفقد أحبابه واحدا تلو الآخر..
الفناء يحصدهم جميعا.. لكنه يتخطاه ليزداد ألما وعذابا..
الزمن يمر عليهم كلهم.. لكنه يتوقف عنده بالذات ليزداد وحدة ووحشة.. 

* * * * *

قلت أن هذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!
عالم يتغير باستمرار.. تتبدل فيه الوجوه والأسماء.. لكن تبقى فقط المعالم لتشهد في صمت على ما كان.. وتشاركك وحدك استدعاء الذكريات..!!
عالم مقبض كئيب.. لا أحد فيه يعرفني.. لا أحد يتذكرني.. لا أحد يسترجع معي ذكرياتٍ مشتركة.. لا أحد يخطط معي مستقبلا يجمعنا.. لا أحد يعنيه شأني من الأساس..!
وقلت أن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...!!!!

* * * * * 

في الإجازة الأخيرة.. ذهبت في زيارة لكُلِّيَّتي..
اليوم مر على تخرُّجي ست عشرة سنة..!
وكانت حقا تجربة مؤلمة.. بالنسبة لي على الأقل..!!!
أخذت أتجول بين أَرْوِقَتِها التي لم يتغير فيها شيء...
نفس الجدران بلونها الكالح الباهت مهما طليت..
نفس الدواليب القديمة المتداعية مهما رممت..
نفس عينات الحيوانات التي لا تستبدل أبدا..
نفس روائح المعامل التي تمتزج مع كل ما سبق في خلطة عجيبة تسمى الذكريات..!!!
لهذا بدت لي معالم الكُلية أثناء تجوالي بينها كلوحة قديمة مشققة باهتة تفتقر إلى عنصر الحياة رغم كل الوجوه التي تتحرك من حولي..!!
صدقني.....
رحتُ يومها أتطلع إلى مشاهد لا يراها أحد غيري..
وأسمع أصواتا لا يسمعها فرد دوني..!

* * * * * 

ها أنا ذا - على نفس هذا السور الحجري - أجلس بين رفاقي.. يملأ صخبنا المكان.. أليس هو ملكنا وحدنا.. ألسنا سنبقى في هذه السن الغضة أبد الدهر..!


وها أنا ذا - عند هذه الصناديق الزجاجية - أتصلب طويلا مع زملائي أمام محتوياتها من عينات الحيوانات المحنطة؛ لنرسمها وندون أسماءها اللاتينية استعدادا للامتحان العملي..!


أراني وقد استلقيت على ظهري على عشب الحديقة مع صديق عمري نتبادل الأحلام حول مستقبلنا.. تلك الأحلام التي أعرف الآن فقط ما تحقق منها وما لم يتحقق..!!


ها نحن - في هذا الممر بالذات - نتسابق إلى قاعة المحاضرات ليُحَصِّلَ كل منا أقرب مكان يستطيع منه الاستماع بوضوح إلى الدكتور المحاضر..!


ها أنا ذا - في المسجد الصغير الحميم - أسترق الوقت بين المحاضرات لأصلي وشيطاني يوسوس لي بمكر يفسد علي صلاتي: هل ستلحق بالمحاضرة التالية قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج..؟!!


ها نحن نتزاحم - تحت تلك الشجرة الضخمة العتيقة - وننتظر في وَجَلٍ تعليقَ تلك الورقة التي تشكل مستقبلنا عاما بعد عام.. نتيجة آخر العام..! 


وانتهت جولتي التي شعرتُ خلالها وكأنني مع تلك الوجوه - التي لا تعرفني - شبحٌ يمشي بينهم..
يراهم ولا يَرَوْنه..!
فقط هذه المعالم هي من يشاركني الذكرى..!
لكنها لن تتنهد معي..!
لن تبتسم معي..!
لن تترقرق عيونها بالدمع معي..!
لكني حمدتُ الله أني سأعود إلى عالمي بمجرد الخروج من بوابة الجامعة..
عالمي الذي ما زلت أحتفظ فيه بمن أحب..
الذي أجد فيه من يتنهد معي.. يبتسم معي.. يبكي معي..!!
لكن - أسأل في توجس ولا أريد إجابة -: ماذا لو قدر الله فأطال عمري.. وذهب الجميع وبقيت؟!!!!!
حقا إن طولَ العُمرِ حلمٌ جميل يتمناه البعض.. لكني لستُ منهم؛ فهو في نظري إن تحقق بهذه الصورة، لن يلبث أن يتحول إلى كابوس..!!

الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

20 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (1من2)


Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(1 من 2)


آنجل Angel.. مصاص دماء يتمتع - كغيره من بني جنسه - بقدرة خارقة على مقاومة الموت؛ لذا يعيش طويلا جدا..
لكنه يختلف عنهم في اللعنة التي أصيب بها، وهي أنه صار - خلافا لبني جنسه - ذا روح؛ وبالتالي صارت له مشاعر بشرية.. يحس بتعذيب الضمير على كل ما اقترف من آثام ويشعر بالألم الشديد تجاه كل روح أزهقها ليروي عطشه الأبدي للدم البشري.. 
فصارت اللعنة الحقيقية هي تلك الحياة المزدوجة البائسة التي يحياها؛ فلا هو صار بشريا خالصا يستغني عن شرب الدماء.. ولا هو بقي مصاصِ دماء خالص منعدم الإحساس بالذنب..!

من أجل ذلك راح يكفر عن خطاياه باستخدام قواه الفائقة في حماية البشر الضعفاء من مصاصي الدماء وأمثالهم من المسوخ، مع اضطراره لشُرْبِ دم الماشية عوضا عن دم البشر، والتحرك ليلا بعيدا عن ضوء الشمس الذي يحرقه.. والأهم من كل ذلك الانعزال الدائم عن الآخرين والافتقار إلى أية علاقة إنسانية طبيعية..!


كنتُ أدرك منذ البداية أن هذه الشخصية تطرق على شيء ما بداخلي.. وإلا لما تأثرتُ بها بهذه الطريقة!!
ولكني لم أدرك على أيِّ وتر في نفسي تعزف لحنها الحزين!


ومع متابعتي للمسلسل - الذي يمزج كثيرا بين مواقف معاصرة للبطل ومواقف قديمة عاشها منذ 200 سنة عندما كان شريرا (من خلال تقنية الفلاش باك) - أدركتُ السر وراء تأثري بهذه الشخصية واهتمامي بها..
إنها تغوص في كل مرة لتستجلب من أعماقي خوفا قديما.. أو للدقة واحدا من مخاوفي العديدة!!

كنت دائما أكره فكرة أن أعيش طويلا جدا، وأن أرى من أحبهم يموتون واحدا واحدا..
أن أشهد كل من أعرفهم - ممن يشكلون في مجموعهم حياتي بأسرها - يختفون أمام ناظري واحدا تلو الآخر..
تتبدل الوجوه والأسماء جميعها..
يتغير العالم من حولي..
لأجد نفسي يوما ما في عالم آخر مختلف..
نعم مختلف.. ونعم جديد.. لكن مقبض كئيب..
لا أحد فيه يعرفني..
لا أحد يتذكرني..
ليس فيه من يسترجع معي ذكريات مشتركة..
ليس فيه من يخطط معي مستقبلا يجمعنا..
ليس فيه من يعنيه شأني من الأساس..!
وهذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!


لكن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...


يتبــــــــــــــــع بإذن الله....

الخميس، يونيو 23، 2011

40 ومضات (15): طلابي.. و"سيادة القانون"...!!!


طلابي.. و"سيادة القانون"...!!!



كثيرا ما يصادف المعلمون - وأنا منهم - مثل هذا الموقف في الفصل..

أحد الطلاب المشاغبين يتعدى على طالب آخر أمام المعلم.. وقبل أن يهم هذا الأخير بإخراج المتعدي لعقابه، يفاجأ بالمُعتدَى عليه وقد فقد أعصابه فيرد الاعتداء سريعا - ثأرا لكرامته التي أهدرت أمام بقية الطلاب - دون انتظار عودة حقه بـ(سلطة القانون) التي يملكها ويمثلها المعلم - حاكم الفصل-..!!!
ويكون رد فعل المعلم - الحاكم - أن يقوم بمعاقبة الطرفين دون تفرقة بينهما - غالبا ثأرا لكرامته هو هذه المرة -..! وبهذا يتساوى الطرفان لديه وتضيع القضية الأصلية..!!!

ولم أكن - في بداية عملي في التدريس - بدعا من أولئك المعلمين.. لكن في ومضة من الومضات التي ينعم بها القدر على عقلي، تنبهت إلى خطأ المعلم في رد فعله هذا من الجانب الشرعي.. ثم صار رد فعلي بعد ذلك فيه بعض الاختلاف؛ فأصبحت أفرق بين العقوبتين جاعلا عقوبة الأول أشد من عقوبة الثاني.. كما أحرص للغاية على أن أوضح أمام الطلاب جميعا - وفيهم طرفا النزاع ضمنيا - سبب اختلاف العقوبتين (بمعنى آخر: أوضح لهم حيثيات الحكم!)(1)؛ حيث لا أساوي بين من بَيَّتَ النية للاعتداء فقام به بوعي كامل تجاه زميله مهينا قيمة احترام المعلم ابتداءً، وبين ذلك الذي كان اعتداؤه ردَّ فعل نتج عن لحظة غضب سيطرت عليه بسبب جرح كرامته(2)..!!!! ثم أوضح لهم عاقبة الافتئات على سلطة القانون؛ إذ غالبا ما يضيع معه حق المظلوم، فضلا عن - وهو الأهم والأخطر - ضياع هيبة ذلك القانون، وتحول الأمر إلى فوضى.. وهو المرفوض شرعا وعرفا..!!!!

يرى بعض الزملاء أنني (أكَبِّر) الموضوع، وأنه مجرد (خناقة) بين طالبين، ولا يستحق معه الحديث عن هذه المعاني (الضخمة)..!!!
لكن ما يدفعني إلى ذلك - عن قناعة - استفادتي من أحد أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الصحابة - رضى الله عنهم -.. وهو التعليم بالموقف.. حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يستفيد من بعض الأحداث التي تصادفه هو والصحابة فيطرح من خلالها بعض المعاني والقيم والمفاهيم.. وتتكفل قوة تأثير المعايشة الحية والطازجة للحدث بربط هذه المفاهيم ارتباطا شرطيا في أذهانهم يصعب أن يزول..!!!!!

* * * * *

هل أنتَ معي في ذلك.. أم أن الموضوع فعلا لا يستحق كل تلك السطور التي أهدرتها آنفا..؟!  :)     
ومن قبيل التقليد لطريقة أختنا (موناليزا) التي تضيف إلى الموضوع وتثريه: هل تذكر موقفا من السيرة للتعليم بالموقف؟   
____________
(1) أرفض بشدة أن يعاقب المعلم طالبا - مع اعتقاد هذا الطالب أنه مظلوم - دون أن يوضح له سبب عقابه.. صحيح أن هذا الطالب قد لا يقنتع وقتها، لكنه - بالتأكيد - سيفهم ذلك عندما يكبر؛ وحتى لو بقى مقتنعا بعدم خطئه، فأعتقد أنه لن يحمل وقتها ضغينة تجاه معلمه؛ لأنه سيدرك أن ذلك المعلم - على الأقل - كان حريصا على ألا يظلمه..!! 
(2) ما يجعلني أقدر موضوع (الكرامة المهدرة) - ربما بشكل مبالغ قليلا - هو تفهمي للبيئة القبلية التي ينشأ فيها الطلاب هنا في الكويت.    

الخميس، يونيو 09، 2011

32 ومضات(3): هل ترتدي بدلة الإعدام الحمراء... معـي؟!

ومضات.. "هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
________________

هل ترتدي بدلة الإعدام الحمراء... معـي؟!


نواميس الكون تسري على الجميع..
قوانين الحياة تنطبق على كل البشر..
الموت لا يحابي أحدا..
الصغار أيضا يموتون..

مُسَلَّمات نعرفها ونؤمن بها، ونمصمص بها شفاهنا من حين إلى آخر.. لكننا -أيضا- ننساها -أو نتناساها- أغلب الأوقات.. وإذا تذكرها أحدنا أو ذُكرت أمامه تجرعها مع مسكن الألم ومُؤَمِّن النفس الشهير المسمى: "هذا يحدث للآخرين فقط!"..
هذه القوانين تنطبق هناك.. على أي نقطة في محيط الدائرة.. لكنها لا تقع أبدا على مركز الدائرة.. الذي هو أنا!!

ومن وقت إلى آخر يترك الموت بحقائقه وتبعاته المخيفة محيط الدائرة ويقترب - فقط يقترب - من المركز.. هنا تظهر تلك المسلمات للعين بصورة أخرى.. وتسقط صخرة في مستنقع طول الأمل فترتجف مياهه وتهتز وتضطرب؛ فيكتشف كل منا اكتشافا جديدا عبقريا...

يكتشف أن نواميس الكون تسري على الجميع..
وأن قوانين الحياة تنطبق على كل البشر..
وأن الموت لا يحابي أحدا..
والصغار أيضا يموتون..!!!

إن مَثَلي - ومثل غيري من الغافلين - في التعامل مع الموت وحقائقه كَمَثَل من يتطلع بشفقة وتأثر إلى ذلك المحكوم عليه بالإعدام.. يا له من مسكين.. ما كل هذه القسوة؟ يُلبسونه تلك البدلة الحمراء المشئومة ويتركونه في زنزانته منفردا تتخطفه الأفكار السوداء ويخنقه انتظار اللحظة المريعة...
لحظة تغطية الرأس بالغطاء الأسود القميء..
لحظة وضع أنشوطة الإعدام حول الرقبة..
لحظة سحب المقبض والسقوط..
لحظة الانتقال من الشك إلى اليقين..
لحظة مقابلة الرب؛ حيث يتوقف العمل ويبدأ الحساب..!

وَيْحي وويح كل الغافلين إن كنا ننظر بهذه الشفقة إلى مرتدي البدلة الحمراء وننسى أنفسنا..!!
ألسنا مع الموت على موعد في كل لحظة..؟ أليست كل ثانية من عمرنا مُتَوَقَّعٌ أن تكون هي لحظة سحب المقبض والسقوط..؟
ألسنا أسوأ حالا من ذلك المحكوم عليه بالإعدام؟!
كيف لا وهو يُنذَر قبلها؟
كيف لا وهو يرتدي البدلة الحمراء قبلها؟
كيف لا وهو يُمنح وقتا للعودة وللتوبة قبلها؟

إن كان منا من لا يصدق ذلك.. لا يصدق أنه أسوأ حالا من المحكوم عليه بالإعدام.. فلا يلومَنَّ إلا نفسه..!!
فهل وَعَدَك أحدٌ يوما بأنك خالد أبد الدهر..؟! وهل وعدك أحد يوما بأنك ستُعْلَم بموعد موتك قبلها..؟!
بل على العكس.. فالمولى - عز وجل- ينبهنا إلى أن نفسًا لن تعلمَ أبدا في أي وقت يأتيها اليقين.. (واليقين في اللفظ القرآني جاء بمعنى الموت).. ينبهنا سبحانه لذلك في كل وقت وحين عبر كتابه المقروء (القرآن الكريم) وعبر كتابه المنظور (الكون المحيط وأحداث الحياة)..
إذن لا يظلم ربك أحدا.. ولكن من رحمته بنا أنه لا يُعَرِّضُنا لتلك التجربة القاسية.. تجربة وضعنا وجها لوجه مع الموت في كل لحظة كالمحكوم عليه بالإعدام!! فقط يترك أمامنا الحقائق واضحة في كتابه العزيز المتاح للجميع.. ويرسل إلينا رسائل من خلال حياتنا اليومية من وقت إلى آخر.. علنا ننتبه من غفلتنا..

فهلا انتبهنا - إخواني الأعزاء- إلى تلك الحقيقة المخيفة..؟ حقيقة أن كلا منا يرتدي بدلة إعدامه الحمراء منذ وُلد ولكنه لا يراها! وأنه يمشي بها بين الناس ويسيح بها في الأرض حتى تأتي.. لحظة اليقين!
هلا راجع كل منا نفسه المقصرة ليرى مدى استعدادها لمقابلة المولى - عز وجل- في يوم عظيم محشور له الناس أجمعين.. يوم لا ينفع مال ولا بنون.. إلا من أتى الله بقلب سليم؟
أدعو الله - عز وجل- ألا يتخطفني الموت على غفلة مني قبل أن أستعد للقائه..! وأن يخرجني -وإياكم- من زمرة اللاهين الغافلين.. اللهم آمين.....
وها أنا ذا اليوم تومض هذه الومضة بداخلي عندما استيقظتُ على إحدى حقائق الحياة القاسية والمسلمات التي أنساها.. لقد ترك الموت محيط دائرتي واقترب قليلا من المركز؛ فقد جاءني خبر وفاة تلميذ من تلاميذي..!

الثلاثاء، يونيو 07، 2011

32 ومضات(8): أصعب ابتسامة..!


ومضات.. "هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
____________

أصعب ابتسامة..!


عندما ترى أحلامك تفلت من بين يديك.. لكنك تبتسم.. فقط لتشعر أنك قادر على بنائها من جديد..!

عندما تكون التعيس الوحيد بين سعداء.. لكنك تبتسم.. فقط لئلا ترى الشفقة في عيونهم..!

عندما تكون في أضعف حالاتك.. لكنك تبتسم.. فقط ليرى من يستمدون منك قوتهم كم أنت عظيم..!

عندما توجعك ضربات عدوك.. لكنك تبتسم.. فقط لتحرمه لذة الانتصار..!

عندما تتوالى عليك الأحزان.. لكنك تبتسم.. فقط لتتذكر أن دوام الحال من المحال..!

عندما يهجرك من منحته قلبك.. لكنك تبتسم.. فقط لتريه أنك ما زلت تستطيع أن تعيش من دونه..!

* * * وأنت؟ حدثني - إن شئت - عن أصعب ابتساماتك * * *
__________________

هذه الكلمات من وحي موضوع جميل بنفس العنوان قرأته في إحدى المدونات.. لكني صغتُ العبارات التي تعبر عن دخائلي.

السبت، أكتوبر 23، 2010

28 ومضات(11): التعبد.. مع صديقتي (ولسون)..!!

ومضات(11)
"هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
______________

التعبد.. مع صديقتي (ولسون)..!!


كنت أركب سيارتي الحبيبة (1) عندما ذكَّرْتُ مرافقي - الشاب الصغير - بدعاء الركوب، قبل أن يسألني فجأة:
- لماذا ندعو بهذا الدعاء؟
أجبته مبتسما بدهشة:
- لأنه من السنن الصحيحة التي وردت عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-!!
اكتشف أنه لم يعبر بدقة عما يريده؛ فأعاد سؤاله بطريقة أخرى:
- أقصد ما فائدته؟
ابتسمت ثانية وأنا أقول:
- تقصد ما الفضل المترتب عليه؟
ولم أنتظر إجابته، بل أردفت معتقدا أني فهمت مقصده:
- في الحقيقة لم أقرأ في السنة فضلا أو أجرا يترتب عليه، لكن على الأقل هناك أجر اتباع السنة..
ظل يرقبني صامتا، مما أعطاني انطباعا بأن شيئا ما ليس على ما يرام؛ فأتبعت موضحا:
- إن الأصل في تعاملنا مع أوامر شرعنا هو الطاعة والاتباع.. بغض النظر عن الحكمة أو الفائدة أو الأجر المترتب على هذه الطاعة.. فإذا أوضح لنا الله ورسوله الحِكمَة من الحُكم الشرعي، أو كشف لنا العلم الحديث فائدة ما من اتباع هذا الحُكم فبها ونعمت، وهو مما يزيدنا إيمانا ويقينا بحب الله لنا وبفضله علينا.. ومن ثم فإن امتناعنا - مثلا - عن أكل لحم الخنزير أو عن شرب الخمر يجب أن يكون بسبب النهي الشرعي عن ذلك، وليس من أجل أضرارهما الصحية التي كشفها الطب الحديث...!
بدا بعض الارتياح على ملامحه، إلا أن عينيه كانتا تحملان سؤالا أخيرا.. كنتُ أعرفه لأنه تبادر إلــيَّ أيضا منذ زمن بعيد:
- أنت تريد أن تسأل: هل قول هذا الدعاء يقي من الحوادث؟
أومأ برأسه إيجابا، فقلتُ له:
- لا.. هو ليس حجابا ضد الحوادث إن كنتَ تظن ذلك.. لكن يكفيك -كما أخبرتك- اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-..

كنا في هذه اللحظة قد وصلنا إلى وجهته، فترجل من السيارة، لأنطلق بها وقد أضاء حوارنا - الذي كان من طرف واحد تقريبا - هذه الومضة الجديدة بداخلي...

* * * * *

راح عقلي يدور هنا وهناك متأملا في ذلك الدعاء.. أخذت أسترجعه وأردده بلساني محاولا التوقف عن كل لفظ فيه...
وكالعادة.. اكتشفت أننا نلهث.. طوال اليوم نلهث.. مشاغل الحياة تدفعنا إلى ذلك.. ولو أننا سمحنا لأنفسنا بالتوقف للحظات -فقط لحظات يوميا!- نقوم خلالها بالعبادة المنسية... عبادة التفكر (أو ما نسميه: التأمل)، لتكشَّفت لنا الكثير والكثير من الأمور..!!

ورحتُ أتأمل من جديد قولَه تعالى: "لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" [الزخرف: 13].. وأنا أسترجع سؤال محدثي: ما فائدة هذا الدعاء؟!
نعم اتفقنا أنه - بلا شك - ذا فائدة.. لكن ما هي؟!
وكم من فوائد تجلت لي بعد هذه اللحظات...
عندما أردد هذا الدعاء.. فأنا - قبل كل شيء - أرطب لساني بذكر الله..
عندما أردد هذه الكلمات أربط أحداث يومي باستمرار بالله - عز وجل -؛ فأستشعر مَعِـــيَّـــتَــه الدائمة لي ولا أنساه في زحام الحياة..
عندما أرددها أُرجع الحول والقوة له وحده - جل شأنه-؛ فلا أغتر عندما أجدني قادرا على تحريك طِـــنَّـــين من الحديد بضغطة قدم بسيطة...!!
وكم من غرور قد يركبنا -نحن البشر- من جراء ذلك، خاصة بعد أن انتقلنا من إخضاع الخيل والبغال والحمير إلى إخضاع السفن والسيارات والطائرات حتى وصلنا إلى تسيير مركبات الفضاء إلى الكواكب البعيدة..!!!

لهذا - تجدني تحت تأثير تلك اللحظات العميقة من التأمل بل سحرها - قد توقفت إلى جانب الطريق، وترجلت بدوري من السيارة، ثم رحتُ أدور حول صديقتي العزيزة وأنا أمسح برفق على جسمها المعدني، وأتلمس إطاراتها السميكة، ثم فتحت غطاءها الأمامي، وأخذت أتفحص الكم الهائل من التروس والقوائم والاسطوانات التي يتكون منها محركها (وكأنني أراه لأول مرة!)...
وأخذت أناجيها...
يا لكِ من كائن معقد.. بل شديد التعقيد.. كيف سخركِ الله لي؟!
يا لهذه القدرة العجيبة التي منحها الله -عز وجل- للعقل البشري ليُخضع عملاقا معدنيا مثلك!!

ثم عندما تمعنتُ تحديدا في قوله تعالى: "الذي سخر لنا هذا".. عدتُ أتساءل:
هل ما سُخِّرَ لنا هو فقط هذا الحديد...؟
لا أظن.. لأننا قبل أن نقدر على تسيير هذا الحديد لا بد لنا أولا أن نتعامل مع عشرات - بل مئات - من قوانين الطبيعة ونسخرها لاحتياجاتنا...
قوانين الاحتكاك..
والقصور الذاتي..
والجاذبية..
والطرد المركزي..
وتحولات الطاقة..
بالإضافة إلى قوانين الضغط والحرارة والحجم..
وقوانين السوائل..
ونقل الحركة..
وقوانين الكهرباء..
وقوانين القوة والعزم...!!!

* * * * *

هل جننتُ..؟!
لا.. بل هي لحظة نادرة من الصفاء النفسي الذي يجعلك تتوحد مع مخلوقات الكون من حولك.. الحي منها والجماد على السواء..!
حتى لتكاد ترى خضوعها وتسمع أصوات تسبيحها لخالقها لا بأذنيك.. بل بقلبك الذي صَدَّقَ قول ربه: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" [الإسراء:44]..!
ونصيحتي لك.. إذا مَـــنَّ الله عليك بمثله هذه اللحظات فاقتنصها ولا تفلتها.. فقد تعادل - إن أثمرت وَجَلا في قلبك - عبادة يوم كامل.. أو أيام!!!
والله تعالى أعلى وأعلم..!
___________
(1) الآن تعرفون لماذا سميتها (ولسون)!