‏إظهار الرسائل ذات التسميات من قصصي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات من قصصي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، نوفمبر 18، 2014

3 تعقب (من قصصي)

تَعَقُّب

قصة بقلم: ماجد القاضي




(1)

- (أحمد).. أنت تهوَى تعقُّب النساء.. أليس كذلك؟!!
قلتُ هذه العبارة بشكل مفاجئ على طريقة المحققين..
فَجِّرْ التهمة في وجه المتهم على غير توقع منه..
راقِبْ رَدَّ فِعله الأَوَّلي..
كثيرا ما يكون رد الفعل هذا مفتاحا لمسار التحقيق.. وأحيانا قد يَصْدِفُ مع متهم - من ضعاف الشخصية أو الذين أنهكهم التعرض للضغط لفترة طويلة - أن ينهار مباشرة وينتهي كل شيء..! 
طبعا كانت هذه مبالغة مني؛ لأن الجالس أمامي لم يكن إلا طالبا في الفرقة الثانية من كلية الآداب بجامعة القاهرة.. حسن السمعة، ذا ملامح هادئة ساعدت نظارته الطبية على إضفاء سمت من الطيبة عليها.. كما أنني لست محققا في المباحث الجنائية.. فقط أستاذ لمادة علم النفس في نفس الكلية..!
أما عن ذلك الطالب فقد فاجأني هو برد فعل غير متوقع.. صمت مطبق.. لا اهتزاز في أي عضلة من عضلات وجهه.. وهذا في حد ذاته - لعمري - قرينة إدانة لديّ، سيما مع التهمة التي وصمتُه بها، التي من المفترض - أو من المنطقي - أن تثير غضب أي شخص بريء يحاول أحدهم تلويث شرفه، أو حتى تثير دهشته واستنكاره..!!
مرت لحظات ثقيلة.. انتظرت معها أن يتكلم نافيا عن نفسه التهمة بانفعال؛ فربما كانت المفاجأة صادمة لدرجة أن يحتاج بضعَ ثوانٍ لاستيعابها..!!
لكن.. نصف دقيقة أخرى.. ولا جديد.. لا ارتجافة أو توتر في أي خلجة من خلجاته..!!
لكنني لستُ ابن الأمس في مهنتي.. فلتقطع ذراعي إن لم يكن هناك قطيع من الأسود يتصارعون في صدر هذا الشاب الآن!!!!
هذا هو التفسير الأمثل.. الفتى يبذل مجهودا خرافيا لالتزام الصمت؛ لأنه - ببساطة - لو تكلم لما استطاع التحكم في البركان الذي سيتفجر بحممه ودخانه وشظاياه.. ولأني أعلم أن هذا الكتمان مضر به على المستويين النفسي والجسدي، وهو آخر ما أسعى إليه بالتأكيد، فقد تراجع المحقق وتقدم الأستاذ الجامعي قائلا بنبرة أبوية حنون:
- هَوِّن عليك يا بني.. أنا أعرف أن لديك مشكلة ما.. أعرف عن تفاصيلها جزءا وأجهل الآخر.. وما استدعيتك إلى مكتبي هنا إلا لنحاول حلها سويا.. ربما لم تكن بيننا علاقة أو معرفة سابقة، وربما كانت المصادفة وحدها سببا في أن أكون في هذا الموقف.. لكني أستشعر أن عليّ مسئولية تجاهك لا بد أن أوفيها حقها..!!
مر دهر قبل أن يرفع الفتى عينيه إليّ، ثم يحرك شفتيه ببطء شديد هامسا بآخر جملة توقعت أن أسمعها منه بعد تلك الممانعة الصامتة:
- كيف عرفت؟

يتبع...


الأحد، أكتوبر 09، 2011

20 من قصصي(1): عيـن من السمـاء..!


عيـن من السمـاء
نشرت هذه القصة منذ بضع سنين في جريدة آفاق عربية (المصرية) ومجلة ولدي (الكويتية)
_______________

أخذ يتحسس تلك الحافظة التي انتشلها من راكب في إحدى الحافلات قبل أن يقفز منها، وهم أن يفتحها لاستكشاف محتوياتها، لكن سرعان ما بدت له هذه الفكرة غير صائبة على الإطلاق.. كان قريبا من جمع من الناس يقفون أمام إحدى الحدائق العامة، وقد شعر أنهم ينظرون إليه بنظرات الشك والاتهام؛ وكأنهم يعلمون ما اقترفه منذ قليل..!

وبعد لحظة من التفكير، قرر الدخول إلى الحديقة؛ ليرتاح من عناء العمل طوال النهار، ولم يلبث بالفعل أن ابتاع إحدى تذاكر الدخول، وما إن دخل إلى الحديقة حتى اتجه إلى ركنٍ منزوٍ فيها، وجلس على أحد المقاعد الحجرية، ثم أخرج الحافظة - بلهفة - ليفتحها ويعرف محتوياتها، لكنها.. كانت خاوية!!
أصيب بالإحباط والضيق لبعض الوقت، لكنه تناسى الأمر سريعا؛ فليست المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف..
وأخذ يبدد السأم بالتجوال ببصره في أرجاء الحديقة، وابتسم - مرغما - وهو يشاهد أولئك الأطفال الذين يمرحون ببراءة، وتتعالى أصواتهم في مشاجرات حامية تمثل لهم أهم مشاكل الحياة في تلك اللحظات..

أثناء ذلك، كانت نظراته اللامبالية تطوف بالمكان عندما وقع بصره فجأة على مشهد جعله يلتفت إليه بكل كيانه، بل وينهض واقفا، ثم يتجه نحوه..!
كان مشهد سيدة عجوز - تنطق ملابسها الفاخرة بثرائها - وهي تطعم طفلا صغيرا يجلس في عربة أطفال أمامها.. ليس هذا ما أثار انتباهه في حد ذاته؛ وإنما تلك الحقيبة التي تضعها على المقعد الحجري بالقرب منها، وتوليها ظهرها أثناء انهماكها التام في إطعام الطفل..!
ووجد نفسه قد اقترب بالفعل، وبخفة وحذر قط يهم بسرقة قطعة لحم جلس على المقعد، وامتدت يده بسرعة - وبصوت منعدم تقريبا - نحو الحقيبة، في الوقت نفسه الذي أخذت فيه عيناه تجولان في المكان للتأكد من أن أحدا لا يراه..
ولكن...

يبدو أن مهنته أكسبت يده سرعة تفوق سرعة دوران عينيه في محجريهما؛ ففي اللحظة التي استطاع فيها معالجة قفل الحقيبة وفتحها بالفعل، وقع ناظره على عينين حادتين تحدقان فيه، يعلوهما حاجبان كثان منعقدان في صرامة، وبِرَدِّ فعلٍ طبيعي سحب يده من الحقيبة بحدة، وبنفس الحذر والصوت المنعدم؛ لئلا تنتبه إليه السيدة..


وكاد ينهض ويسرع مبتعدا عن المكان، لولا أن ابتعدت عنه عينا ذلك الرجل الجالس على أحد المقاعد القريبة المقابلة له..
تنفس الصعداء عندما انتقل الرجل بناظريه بعيدا؛ مما أشعره بأن ذلك الأخير لم يلحظ حركة يده؛ فقفزت يده بخفة ثانية نحو الحقيبة - التي صارت مفتوحة هذه المرة - وقلبت محتوياتها بسرعة فائقة لتتوقف عند إحداها..! كاد يقفز فرحا وهو يتحسس تلك الرزمة المالية التي قدر أنها تتخطى الأربعة آلاف من الجنيهات - كما يبدو من سمكها ومساحة أوراقها -، وقبض بيده على الرزمة المالية، وهم بإخراجها، ولكن..!
خفق قلبه فجأة بشدة بين ضلوعه..
لقد كان الرجل ينظر إليه هذه المرة.. لم يعد يشك في ذلك.. إذ رآه يحدق فيه وقد ازداد حاجباه انعقادا، وكأنه يقول له - في صمت - وبلهجة معاتبة:
- ألم أحذرك في المرة الأولى؟

لكن ما أدهشه أن رد فعله كان على عكس المرة السابقة تماما؛ إذ فوجئ بيده تتصلب داخل الحقيبة حول الرزمة المالية وقد بدأ العرق يتصبب على جبهته..
كان يشعر بخوف مبهم..!
خوف عجيب لم يشعر بمثله من قبل مع هاتين العينين الحادتين ونظراتهما النافذة التي نفذت إلى أعماقه لتعبث بقلبه وتجعله يخفق بعنف، حتى كاد يسمع صوت ضرباته اللاهثة..!
ومضت بضع ثوان على هذا المشهد الصامت، مرت عليه كساعات طوال، لم ينتبه خلالها إلى أي شيء حوله، حتى تناهى فجأة إلى سمعه صوت طفلة صغيرة تهتف بمرح:
- أبى.. هيا لنرحل، لقد حضرت أمي.
ورأى الطفلة وهي تقترب من ذلك الرجل، وكأن قدومها كان المنقذ له؛ فما إن التفت الرجل إلى الطفلة حتى ترك هو الرزمة المالية على الفور دون أن يعلم سببا لذلك، وانتزع يده من الحقيبة انتزاعا، متخليا عن حذره المعتاد..!

واجتمعت مشاعر الرهبة والخوف والتوتر بداخله؛ ليخرجها في زفرة ارتياح حارة.. وما إن فعل حتى التفتت العجوز إليه، وحركت ناظريها بينه وبين حقيبتها المفتوحة في شك وارتياب، فلم يسعه إلا أن قال لها بكلمات متعثرة:
- لقد.. لقد أردت تنبيهك إلى أن الحقيبة مفتوحة.
لم تزايلها نظرة الارتياب وهي تنظر إلى داخل الحقيبة، وعندما وجدت أن الرزمة المالية ما زالت موجودة بدا بعض الارتياح على وجهها، وهى تشكره على فعله.

وتذكر هو بغتة ذلك الرجل..
والتفت نحوه..
وكان ما فاجأه وجعل حدقتاه تتسعان ذهولا..
مشهد الرجل وهو يسير ببطء بجوار الطفلة قابضا على يدها بإحدى يديه، بينما يتحسس الطريق بواسطة عصا يمسكها بيده الأخرى.. تلك العصا التي لم ينتبه إلى استناد الرجل إليها طوال الوقت..!
نعم.. كان الرجل ضريرا.. فهو لم يره قط..!
حتى عندما نظر إليه.. كانت مصادفة.. مجرد مصادفة..!
ونهض واقفا في غضب، وكادت تقفز من عينيه دموع القهر وهو يرى الرجل يبتعد مسترشدا بابنته في السير..
راح يراقبهما بضع لحظات بعمق..

وهنا.. توقفت دموعه الغاضبة فجأة قبل أن تنحدر على وجنتيه..
لقد بزغت ومضة ما في عقله، لم تلبث أن انتشرت وأضاءت كل ركن في جسده وهو يسترجع كل ما حدث منذ ما يقل عن الدقيقتين..
وصرخ في أعماقه:
- يا إلهي.. لم تكن نظرات الرجل مصادفة.. لم تكن كذلك على الإطلاق..!
ثم أخذ يبتعد عن المرأة العجوز في سعادة متناهية؛ لأنه لم يحصل على المال...
لقد انفتح عقله المغلق فجأة وفهم الأمر على حقيقته..
فهم سبب ملاحقة نظرات الرجل له.. وعرف سر حدتها.. وسر الخوف العجيب الذي أصابه من جرائها ودفعها إلى ترك النقود..
إن عينيْ الرجل لم تنظرا إليه قط، بل كانت عينا أخرى..
عينا من السماء!

الجمعة، يونيو 10، 2011

40 من قصصي(6): ثانيتان...!! (قصة قصيرة)

ثانيتان..!!
(قصة قصيرة)



أن ترى شريط حياتك بأسره أمام عينيك في ومضات خاطفة عند تعرضك لموت محقق.. هذا طبيعي ومنطقي، ويروي عنه الكثيرون - طبعا - ممن نجوا من مثل هذا الموت المحقق..!!!
لكن غير الطبيعي أن ترى أنتَ شريط حياة شخص آخر - في تلك الومضات الخاطفة - عند دنو ذلك الأخير من موت محقق!!!
هذا ما حدث لي.. وهذا ما سأسرده الآن...

* * * * *  

هنا في الكويت تنتشر جسور المشاة فوق الطرق السريعة Highways ؛ ذلك أن السيارات تنطلق على تلك الطرق بسرعات فائقة لا تعطي الفرصة في عبور آمن لمن أراد قطعها على قدميه..!
وفي تلك اللحظات الحاسمة - التي تشكل قصتي - كنتُ أنطلق بسيارتي على أحد تلك الطرق السريعة، عندما لمحتُ عبر المرآة الوسطى تلك السيارة الرياضية التي راح صاحبها يومض لي بمصباحي سيارته ومضات سريعة خاطفة للتنحي من أمامه.. ورغم سرعتي الكبيرة إلا أنني شعرت أنني أزحف بالنسبة للسرعة المرعبة التي مرقت بها سيارته بجواري، وفي جزء من الثانية لمحت صاحبها.. ولم يخب توقعي.. كان أحد الشباب المتحمسين كالعادة..!
ثم رجعت ببصري إلى الأمام ليفاجئني المشهد الذي أثار ذعري وجعل قلبي يقفز إلى حلقي...!
إنها تلك الخادمة.. خادمة هندية هي كما تنطق ملامحها ويشي طراز ملابسها.. جرّها حظها العاثر وفهمها المحدود إلى عبور الطريق في تلك اللحظة بالذات..!!
كانت على بعد 100 متر تقريبا.. وسيارة جاري تسبقني نحوها بسرعة 160كم/ساعة على أقل تقدير.. وبحسبة سريعة - مما درسناه في المرحلة الثانوية - كان الزمن الباقي على وصوله إليها ثانيتين..
فقط ثانيتان..!!!
لذا رحت أصرخ في أعماقي بذعر لا حدود له: استر يا رب.. استر يا رب.!!
لم يكن لدي أدنى شك في اصطدامه بها..
وقفز - بعين الخيال - المشهد المروع أمام ناظري..
مشهد الجسد الهزيل وهو يصطدم بالوحش المعدني الذي لا يرحم.. ثم يقفز في الهواء عاليا وبعيدا قبل أن يسقط أرضا بكل قسوة خاليا من الحياة والدماء تتناثر حوله..!!! 
وهنا حدث شيء عجيب.. لم تمر الثانيتان كما تمر بقية الثواني في حياتي...!
بدا لي الزمن بطيئا بطيئا.. وكأنه يمهلني ما يكفي لأتالم وأتحسر قبل أن تقع الفاجعة...
أتألم للمصير المخيف لتلك المسكينة..!
وأتحسر على ضياع حياتها بسبب لحظة غباء..!
وبلا مبالغة مرت حياة تلك البائسة أمام عيني.. فقط في الثانيتين الباقيتين قبل نهاية حياتها....

* * * * * 

0.2 من الثانية:

تجلسين يا (شاندرا) مع زوجك أمام منزلكما الضيق أرجاؤه بعد يوم طويل مرهق من العمل في حقلكما الصغير.. ذلك الحقل الذي لا يكاد محصوله الشحيح يغنيكم من فقر ولا يسمنكم من جوع.. فما بالك برفاهيات الملبس والعلاج والتعليم.. 
في ضوء القمر الشاحب كوجهيكما تتهامسان كالمعتاد بشأن أحوال حياتكما البائسة، ومستقبل الصغار الخمسة الذين يرقدون متلاصقين في إحدى غرفتي البيت الوحيدتين..!

0.4 من الثانية:

البؤس هو عنوان حياتك.. الظلام هو مستقبل أبنائك.. هذا ما تؤمنين به يا (شاندرا).. ولولا غريزة الأمومة الغامرة لديك وخوفك الشديد على القطط النائمة في الداخل لفكرتي ألف مرة يوميا في إنهاء حياتك الكئيبة..!

0.6 من الثانية: 

اليوم هو يوم سعدك يا (شاندرا).. بل هو أول ابتسامة تمنحك الحياة إياها بعد سنين طويلة من العبوس..
فاليوم زاركما ذلك الشاب من القرية المجاورة الذي يحمل في ذيله الخير دائما.. والذي يتمنى الجميع زيارته ليل نهار..
إنه - كما تعرفين - يعمل مندوبا لدى أحد مكاتب تسفير العمالة إلى دول الخليج.. إلى دول النفط.. إلى الحياة الرغدة والخير الوفير كما يقولون..! 
هل نسيتي ذلك الطلب الذي تقدم به زوجك منذ شهور لدى ذلك المكتب؟ 
    
0.8 من الثانية:

نعم.. هو ما تمنيتيه يا (شاندرا).. لقد صار الحلم حقيقة.. ولكنه تحقق على غير ما توقعتي.. المطلوب للسفر خادمة لا خادم..!
وصار لزاما عليكِ اتخاذ القرار الصعب.. القرار الثقيل على النفس..
ستتركين هؤلاء المساكين لأبيهم الذي امتلأ جسده بالعلل ولا يكاد يقدر على العناية بنفسه..!
لكن لا خيار هنالك.. ستتركينهم من أجلهم.. ستحرمينهم دفأك أملا في توفير حياة كريمة ترفعهم لمصاف البشر..!

ثانية واحدة:

ما أشد ألمك يا (شاندرا) وأنتِ تودعين زوجك الذي يبتسم لك مشجعا ومطمئنا إياكِ على أبنائك.. لكنها ابتسامة مرتجفة بطعم الدموع..!
ما أشد تمزقك وأنت تودعين صغارك بنظراتهم الحيرى التي لا تعي المستقبل.. لكنها تخشاه كالموت..!
إنك ستختفين من هذا البيت.. من هذه الأسرة.. من هذه الحياة.. لا بد إذن أنها نهاية الكون.. هذا ما شعروا به وهم يرمقون نظراتك الباكية عبر زجاج السيارة التي تبتعد مثيرة غبارا كثيفا وراءها.. نفس الغبار الذي يغلف حياتكم الآن..!!
    
1.2 ثانية:

تخرجين من مطار الكويت الدولي في تلك الحافلة التابعة لمكتب التخديم الذي استقدمك.. والتي تعج بـ(شاندرات) أخريات بائسات..
البعض يتطلعن بانبهار عبر الزجاج إلى الشوارع الواسعة النظيفة والمنازل الكبيرة الأنيقة.. لا بد أن هذا عالم رائع جديد ينتظرهن..!
والبعض الآخر يجلسن - مثلك - غافلات عن كل ذلك بالخوف من القادم.. مهما كان يبدو سعيدا، إلا أنه مجهول.. والمجهول غالبا مخيف..!

1.4 ثانية:

الآن مر يومان كاملان على وصولك يا (شاندرا).. إلا أنك ما زلت تجلسين في صمت على أحد مقاعد مكتب التخديم.. تتجرعين في كل ساعة مرارة المهانة وألم الدونية.. شعور الأَمَة التي تباع في سوق النخاسة.. أنتِ لم تجربيه، لكن لا بد أنه كذلك..!
من ساعة إلى أخرى يأتي أحد الزبائن لاختيار خادمة مناسبة لبيته.. ويتفحص فيكِ وفي رفيقاتك بتمعن، ثم لا يلبث - بعد نقاش ومداولة مع مدير المكتب - أن ينصرف بعد الاتفاق على بغيته..! 
متى يأتي سيدك لينهي تلك الساعات القميئة الكئيبة..؟!
فلتأملي أن يوقعك حظك مع أسرة طيبة رحيمة تعاملك كإنسان لا كشيء آخر..!

1.6 ثانية:

الآن يا (شاندرا) تخطين خطواتك الأولى إلى منزل مخدومك.. وها هي ذي زوجته تستقبلك بحفاوة مبشِّرة.. يبدو أن ما ثرثر به السائق - ابن وطنك - أثناء قدومك كان صحيحا.. هذه أسرة طيبة رحيمة كما تمنيتِ تماما.. لكن هل تبتسم الحياة ثانية بهذه السرعة؟ أنتِ لم تخبري منها سوى الوجه العابس.. لكن لم لا؟ 
فلتترقبي ما تأتي به الأيام...!

1.8 ثانية:

اليوم مر على وصولك بضعة أشهر.. ورغم طيبة مخدومَيْكِ إلا أنك تأنين ليلا من شقاء العمل المتواصل طوال النهار من جراء طلبات الأبناء المستمرة بلا توقف.. 
اصبري يا (شاندرا)؛ فعبء العمل يخففه المقابل المادي الذي ترسلينه كله تقريبا إلى أسرتك شهريا.. يخففه السعادة التي تبدو في أصواتهم كلما كلمتيهم عبر الهاتف...!
لكنك لا تجدين ما تخففين به مشاعر الحنين الجارفة إلى الأسرة والوطن التي تثقل روحك يوما بعد يوم..
صحيح أن هنا حياة رغدة.. لكن هناك الوطن..!      
صحيح أن هنا شارع نظيف ومسكن مريح.. لكن هناك الوطن..!
صحيح أن هنا طعام طيب وملبس نظيف ومال وفير.. لكن هناك الوطن..!

ثانيتان:

استعدي يا (شاندرا).. بقيت أيام معدودة وتتمي العام الأول في الغربة.. هذا يعني لكِ الكثير.. فحسب اتفاق العمل، سوف تسافرين إلى وطنك حيث الزوج والأبناء.. حيث الحياة التي لا تغني عنها أية حياة..!!
وها أنتِ ذي تعبرين الطريق في سعادة إلى حيث السوق لتشتري بعض الهدايا لأسرتك الحبيبة.. لكنك في غمرة أحلامك السعيدة غفلت عن واقعك؛ فاقترفتي أكبر خطأ في حياتك..!!
وها هي ذي سيارة تتجه نحوك بسرعة مخيفة لا يجدي معها أية محاولة للفرار..!
ربما لهذا أصاب الشلل قدميك وعجزت حنجرتك حتى عن الصراخ..!
وآخر سؤال سألتيه لنفسك: من سيذهب بالهدايا إلى أبنائي؟!!!!

* * * * *

انتهت الثانيتان.. والمفترض - وفقا لأي حسابات منطقية - أن تنتهي معهما حياة المرأة..!
لكن يبدو أن شللها المؤقت حمل لها النجاة.. فقد استطاع الشاب أن ينحرف عنها بسنتيمترات قليلة في حركة ماهرة لم أكن لأصدقها لولا معاينتها بنفسي..!
ومر السهم بجوارها دون أن يمسها.. ثم مررت أنا بجوارها وقد كان لدي من الوقت بطبيعة الحال لأتفاداها بسهولة..
لكن قلبي المرتجف لم يهدأ إلا بعد أن اطمأننت - عبر المرآة الوسطى في سيارتي - إلى أن المرأة عبرت الطريق سالمة من أي كارثة معدنية أخرى...!!
وردّدت في نفسي في راحة وشبه هذيان: الآن تعودين إليهم يا (شاندرا)...!

- تمت - 

السبت، أبريل 23، 2011

54 من قصصي(4): وراء الباب المسحور..!


وراء الباب المسحور..!

"إهداء إلى المهندسة (جيهان منصور) التي كانت إحدى خواطرها عن طفولتها هي البذرة التي نبتت منها هذه القصة"



- ماما.. أين ذهب جدي بعد أن كان مريضا؟ لماذا لم يعد يزورنا؟!
سألت (مروة) الصغيرة أمها هذه السؤال بكل عفوية؛ فكفكفت أمها دمعة فرت من عينيها، وهي تبتسم مرغمة لوجه طفلتها الذي يشع براءة، قبل أن تجيبها:
- غدا عندما تكبرين تعرفين.
بالطبع لم تكن إجابة وافية، إلا أن (مروة) -كعادة الأطفال- انشغلت سريعا بدميتها، وبعد أقل من دقيقة، التفتت من جديد إلى أمها وهي تهدهد دميتها سائلة:
- ماما.. من أين جئتِ بي؟
لم تكن الأم قد خرجت بعد من الحالة النفسية التي وضعتها فيها ابنتها عندما ذَكَّرتها بوالدها المتوفى منذ أيام معدودة.. لذا لم يكن لديها الاستعداد النفسي في هذه اللحظة لمحاولة تبسيط مفاهيم الحياة لابنتها ذات السبعة أعوام؛ واكتفت بالإجابة السهلة:
- غدا عندما تكبرين تعرفين.
ومن جديد سرعان ما انشغلت (مروة) في فيلم الكرتون الذي بدأ لتوه... وإن ظل كلا السؤالين قابعان هناك في أعماقها، ينتظران الخروج ثانية في مناسبة أخرى.. هذا ديدن الأطفال..

كانت معظم أسئلة (مروة) من الطراز الذي إجابته: "غدا عندما تكبرين تعرفين"؛ وكان ما يشغلها حقا هو معنى تلك الإجابة، ففي كل مرة كانت تنام لتستيقظ في اليوم التالي الذي هو (غدا)، لتكتشف - ويا للعجب - أن شيئا مما قالته الأم لم يتحقق، فها هو (غدا) قد جاء، فلا هي كبرت، ولا هي عرفت!!!
أما عن أسئلتها تلك، فكانت لـ(مروة) وسيلتها الخاصة للإجابة عنها..

إنه "الباب المسحور"..
ذلك الباب القديم المتهالك ذي المصراعين الذي يقبع أسفل أحد سلالم مدرستها.. كانت تلمحه في صعودها وهبوطها، وتظل عيناها متعلقتان به.. تتخيل خلفه حكايات وحكايات.. كانت تظنه يقود إلى دهليز خفي - أسفل المدرسة - تسكنه الجنيات والأشباح والوحوش الأسطورية، وكل ما يمرح من كائنات في عقل طفلة صغيرة.. عقل صغير لكنه باتساع الكون ذاته؛ أليس الكون لا تحده حدود معلومة؟ وكذلك كانت أفكارها!!
أحيانا كانت تظنه يقود إلى عالم عجيب تتحدث فيه الحيوانات، وتأتي منه الإجابات على أسئلتها، لكنها إجابات على طريقتها، ما دامت إجابة أمها المكررة لم تسعف هذا العقل الذي لا يسكن، وتلك النفس التي لا تهدأ..!

فمثلا جاءها جدها يوما من وراء الباب المسحور وهو يرتدي جلبابه الأبيض الذي تعودت أن تراه به، وقال لها: "لقد سافرتُ إلى بلاد جميلة، وسأحضر إلى زيارتكم بعد أن أشتري لكِ أجمل الهدايا والألعاب".. فكانت هذه الإجابة مُرْضِية لها، وجعلتها تنتظر بكل شوق وسعادة عودة جدها ومعه كل ما تمنته من ألعاب لم تشتريها لها أمها!!
وفي يوم آخر رأت خلف الباب المسحور حدائق غناء مليئة بالأزهار والفراشات والعصافير وجداول المياه الشفافة الرقراقة، وتشع على كل ذلك شمس مشرقة لها وجه مبتسم (كما تراه في الكرتون).. وعلى العشب الأخضر الزاهي يقبع أطفال رُضَّع ملفوفين في أقمشة بيضاء ناصعة.. ومن حين لآخر تظهر في المشهد إحدى الأمهات لتتجول بين الأطفال، حتى تختار أحدهم فتحمله بين يديها وتقبله، ثم تنطلق به ليصير هو ابنها.. وبالطبع رأت نفسها عندما جاءت أمها والتقطتها..!!!

وتمر الأيام..
وفي كل مرة تسأل فيها (مروة) أحد أسئلتها التي "ستعرف إجابتها غدا عندما تكبر"، كانت في اليوم التالي تجد الإجابة جاهزة هناك.. وراء الباب المسحور..!
وبالرغم من ذلك ظلت تتساءل دوما: "متى يأتي (غدا) حتى تكبر، وحتى تعرف"؟!!


وظلت سنوات تحلم بما خلف الباب.. حتى جاء ذلك اليوم...
كانت تقف في أحد الأركان تحدق في الباب - متلقية منه إحدى إجاباتها - عندما اقترب عامل النظافة بالمدرسة من الباب، وفتحه على مصراعيه!!!
وانهارت فجأة أحلام سنين عدة دفعة واحدة.. لقد فوجئت خلفه ببعض الكراسي والطاولات المدرسية القديمة المكسورة وقد تراكمت فوق بعضها..!
واعتصر القلب الصغير لتنزل عصارته دموعا حارة على وجنتي صاحبته..
تمنت لحظتها أن تصرخ في العامل من بين دموعها: لماذا فتحته؟! لماذا لم تتركه مغلقا؟!

لقد زال السحر عن الباب بمجرد فتحه..!

لكن (مروة) لم تَخُض هذه التجربة المريرة بلا مكسب..

لقد عرفت إجابة سؤالها الذي كان يقض مضجعها..

عرفت أن (غدا) قد جاء، وأنها الآن كبرت...!

الخميس، أبريل 07، 2011

37 من قصصي(3): التاريخ لا يعيد نفسه..!!

التاريخ لا يعيد نفسه..!!
(قصة قصيرة واقعية)



الزمان: العام الدراسي 1983 -1984م
المكان: فصل دراسي
الشخصيات:
1- المعلم
2- طفل لم يتعدَّ العاشرة
نهار / داخلي

المعلم يتجول في الفصل وقد ارتفع صوته لا إراديا أثناء انفعاله في الشرح، ومن وقت لآخر يفاجئ أحد تلاميذه بسؤال يكشف له مدى انتباه هذا الأخير للشرح.. وبالطبع كان من التلاميذ من يستطيع الإجابة وينجو؛ فيتنفس بعدها الصعداء آملا أن يخفف هذا من احتمالية سؤاله مرة أخرى.. على الأقل خلال هذه الحصة..! بينما يقع بعضهم متلبسا بالجرم الشنيع.. شروده وعدم انتباهه للشرح.. وحينئذٍ...!!!
وتمر اللحظات الثقيلة.. ويستمر المعلم المعقود الحاجبين دائما الثاقب النظرات أبدا في جولته المرعبة بين طاولات الأسرى الذين يحاول كل منهم ثقب حذائه بنظراته معتقدا أن ذلك كاف لنجاته صارخا في أعماقه كلما اقتربت منه الخطوات: هل سأنجو هذه المرة.. أم ستكون الرصاصة التالية من نصيبي؟

وفجأة.. تقع عينا المعلم على مشهد لم يتوقعه....!!

* * * * *

الزمان: العام الدراسي 2003 -2004م
المكان: فصل دراسي
الشخصيات:
1- الأستاذ ماجد
2- طفل لم يتعدَّ العاشرة
نهار / داخلي

الأستاذ (ماجد) يشتهر بين تلاميذه بمداعبته الدائمة لهم أثناء الشرح، وبإمدادهم بالمواقف الأخلاقية والإيمانية كلما سنحت الفرصة رغم أن مادته ليست التربية الإسلامية... لكنه يشتهر أيضا بينهم بحدته وسرعة انفعاله عندما يسيئ أحد التلاميذ الأدب خارجا عن أخلاقيات التعامل بين المعلم والتلميذ، كما يشتهر بشدة غضبه عندما يكتشف عدم انتباه أحدهم للشرح وانشغاله بأمر تافه لا يجوز أن يلهيه عن شرح المعلم.. ورغم علمهم أن الأستاذ (ماجد) نادرا ما يستخدم العقاب البدني الذي -كما يخبرهم دائما- يستخدم في توجيه الحيوانات، ولا يصفع على الوجه - كما يفعل غيره بسهولة - لأن هذا منهي عنه شرعا.. إلا أن كل منهم كان يخشى بشدة أن يقع متلبسا بالشرود وعدم الانتباه؛ لأنه لن يسلم وقتها من الغضب العاصف لأستاذه؛ حيث يتلقى من شديد الصراخ وقاسي الكلمات - المبالغ فيهما - ما كان يتمنى المسكين معه أحيانا أن يُضرب بالعصا وكفى..!!!

وفي ذلك اليوم، أثناء جولة الأستاذ (ماجد) بين تلاميذه، وقعت عيناه على مشهد لم يتوقعه....!!

* * * * * 

وقعت عينا المعلم على ذلك التلميذ الذي أمسك بقلم ملون، وانهمك تماما في الرسم على طاولته الملساء..
كان بارعا في الرسم حتى أن جميع زملاء فصله كانوا يخطبون وده لكي يرسم لكل منهم في دفتره إحدى الشخصيات الخارقة الشهيرة التي يبرع في تصويرها، مثل سوبرمان أو بات مان أو سبيدرمان أو جريندايزر...
لكن المعلم لا يعرف هذا.. ولا يعنيه.. ما كان يعنيه في هذه اللحظة أن هناك من يستهين بحصته وبوجوده حتى أنه واتته الجرأة لكي ينهمك في الرسم أثناء الشرح؛ لهذا تجده قد توقف عن الشرح، وتحرك في خطوات ثابتة هادئة - قاصدا ألا ينتبه إليه الطفل الشارد تماما- لهدف في نفسه..
وأخذ يقترب ويقترب.. والجميع يحبس أنفاسه مترقبا ما سيحدث بعد لحظات..
كل ذلك والطفل ما زال شاردا في عالم آخر مع شخصياته التي ملأت الطاولة أمامه..

وتوقف المعلم خلفه مباشرة...!

* * * * *


وقعت عينا أستاذ (ماجد) على مشهد تلميذ في طرف الفصل وقد دفن رأسه بين ذراعيه المنعقدين على الطاولة وذهب في نوم عميق...
توقف فجأة عن الشرح، وتحرك ببطء وهدوء مقصودين نحو التلميذ النائم...
حاول أحدهم تنبيه ذلك النائم، إلا أن أستاذ (ماجد) منعه بإشارة متوعدة من يده...
شخصت أبصار بقية التلاميذ وقد فطنوا إلى سبب توقف الشرح، وتصاعدت همساتهم ونَمَت ابتساماتهم السادية متصورين ما سيحدث بعد لحظات..
كانوا يتشوقون لرد فعل أستاذهم الذي يثير جنونه مجرد حديث جانبي بين اثنين أثناء شرحه.. فماذا بتلميذ مستغرق في النوم..!!

وتوقف الأستاذ أمام التلميذ النائم مباشرة...!

* * * * * 

هَوَت كفّ المعلم العملاقة على مؤخرة رأس الطفل بضربة قاسية عنيفة، حتى أن الدنيا أظلمت أمام عينيه لنصف دقيقة كاملة..
شعر المسكين وقتها بمزيج مخيف - لم يغادر ذاكرته أبدا - من الحيرة والذعر مما أصابه من عمى مؤقت..!
وبعد أن ارتد إليه بصره، وبدأ في استيعاب وإدراك ما حدث، تحول شعوره إلى خزي ومرارة شديدة - أيضا لم ينسهما أبدا - من جَرَّاء ضحكات زملائه التي تعالت استمتاعا بمشهد ذهوله.. فضلا عن دهشته من نظرة التشفي الواضحة في عيني المعلم وقد علت محياه مخايل الانتصار.. لقد انتقم لنفسه ولكبريائه..!

الآن اتضح للجميع هدف أستاذهم من الاقتراب بهدوء من تلميذه الشارد...!!!

* * * * *


فوجئ التلاميذ بأستاذ (ماجد) وهو ينحني نحو زميلهم النائم، ثم يربت بحنان على كتفه موقظا إياه برفق ولين..
عندها انتبه الطفل من نومه؛ ليتفاجأ بمن أيقظه.. وقبل أن يعلو الخوف ملامحه، قال له معلمه بابتسامة ودود ولهجة مشفقة: هل تأخرت في النوم ليلة أمس؟
أومأ التلميذ -الذي زايله الخوف وحل محله الخجل- برأسه إيجابا، فقال له أستاذ (ماجد) -ولم تفارقه ابتسامته-: اذهب إلى الحمام واغسل وجهك بسرعة حتى لا يفوتك الشرح.

الآن اتضح للجميع هدف أستاذهم من الاقتراب بهدوء من تلميذه النائم...!!!
أستاذهم الذي قفزت أمام عينيه - أثناء سيره نحو تلميذه - ذكرى خاطفة...ذكرى لموقف حدث منذ عشرين عاما..!!!

* * * * * 


هل يعيد التاريخ نفسه؟
قطعا لا..
فنحن الذين نملك أن نجعله يفعل.. أو لا يفعل!!!