!!..Run.. Lola.. Run
هذا اسم فيلم ألماني شاهدته قديما، عن فتاة تحاول إنقاذ صديقها من ارتكاب حماقة سرقة سوبر ماركت ليرد دَيْنا عليه لإحدى العصابات قبل أن يقتلوه، ومن أجل ذلك كان عليها الحصول على 100 ألف مارك ألماني في 20 دقيقة فقط!!! والفيلم يعرض أحداث ثلاثة سيناريوهات مختلفة لحصولها على هذا المال.. كلها كانت تقتضي أن تركض بلا توقف طوال الفيلم!!!!!
لكن ما علاقة هذا بحياتنا في كلية العلوم؟!!
* * * * *
الحقيقة أنني لم أستطع إخراج مشاهد هذا الفيلم من رأسي.. ذلك أنني ما إن شاهدته حتى تراءى لي أنه يوجز بدقة طبيعة حياتنا في كلية العلوم؛ فمنذ ولجنا من بابها - وعقب انتهاء التشريفة إياها(1) - حتى وجدنا أنفسنا في حلبة سباق ذرعها أربعة أعوام كاملة...!!
صدقني.. لا أبالغ في هذا الوصف.. هو على الأقل شعوري أنا ومعظم رفاق دُفعتي خلال تلك الأعوام الأربعة...!فدائما الوقت ضيق.. والأعمال أكثر من الأوقات المتاحة..
ففي البداية.. كنا نهرول لمتابعة شرح الأساتذة للمنهج الذي يتحرك بلا توقف وبلا رحمة ليسمح لنا بترجمة الطلاسم اللاتينية فضلا عن الفهم ثم المذاكرة..!
ونهرول للبحث عن مذكرات بعض المعيدين المخضرمين التي يشرحون فيها بتبسيط ما تعرضه المراجع والمصادر (المجعلصة) والتي لم نتعود على التعامل معها..!
وعندما بدأت الأمور تتضح - واستطعنا تمييز رؤوسنا من أرجلنا - بدأ سباق الامتحانات..!
فنهرول من امتحان نظري إلى امتحان نظري..!
وبالمناسبة.. أتحداك أن تجد امتحانا ينتهي وليس في جعبتك ما لم يُكتب بعد.. يجب أن تُسحب الورقة منك سحبا..!!!!
وما أن ينتهي (تراك) الامتحانات النظري، فنتوقف قليلا لالتقاط أنفاسنا وشرب جرعة ماء، حتى نسمع طلقة البدء في المرحلة التالية من السباق، وهو امتحانات العملي..
وما أدراك ما امتحانات العملي..!!
عن ماذا أحكي لك؟
عن الـ End piont (نقطة النهاية) التي تصر دائما ألا تأتي؟!
أم عن المادة الـ Unknowm (المجهولة) التي بعد معرفتها في نهاية الامتحان تكتشف أنها ليست هي؛ لتنهار في صمت؟!
أم عن شرائح الأنسجة التي يأتون بها من كائنات فضائية ومطلوب منك أن ترسمها (بكل دقة وحنكة) من تحت المجهر لتكتشف أنها مقطع في أمعاء ضفدعة؟!
أم عن الكلمة المرعبة التي صرنا نكرهها كالطاعون: Change ؟!
أم عن الـ 300 عينة من الثعابين والقواقع المطلوب حفظ الاسم اللاتيني المزدوج لكل منها.. دون أن يكفي بكاؤك حتى لتخفيض عددها؟!
أم عن قلب الضفدعة الذي يجب أن تعلقه في خطاف خارج جسدها دون أن تقتلها.. لتقوم بعمل رسم قلب لها؟!!
أم عن أجهزة الفيزياء التي أتوا بها من قرن سابق لنختبر بها الآن؟ (2)
طبعا الوقت دائما يكفي بالكاد.. فقط في حالة واحدة: إن كنت تهرول لتحصِّل ما تريد..!!
هذا عن الهرولة المعنوية التي هي في الأساس هرولة ذهنية لا تقل جهدا - في رأيي - عن الهرولة الحسية..
أما عن الهرولة الجسدية الواقعية.. فلم نُحرمها بالطبع.. وحدث عنها ولا حرج..!
نهرول من قاعة (انتهت محاضرتها) إلى قاعة (ستبدأ محاضرتها)؛ لأن المسافة بينهما قد تصل إلى 500 مترا، بينما الزمن بين المحاضرتين صفر..!!!
نهرول - نحن الذكور.. أو للدقة: الحريصين منا - لنحصِّل مكانا في المقاعد الأولى.. حيث أن معظم دفعتنا من البنات والذكور قلة مندسة، وإذا وصلت بنت واحدة إلى مقعد واحد من المقاعد الأمامية فقد صارت جميعها محجوزة لبقية الزميلات الفضليات!!!
وإذا - أقول: إذا - كانت هناك ساعة فارغة بين محاضرتين فإننا نقضيها أيضا في... الهرولة..!
نعم..
فنهرول بين محلات التصوير لنصور مُذَكِّرةً أُشيعَ أنها أفضل ملخص موجود لمادة ما.. ونحن - كحمقى أو كمساكين - لا يمكننا أن نكذّب أو نصدّق ذلك.. فالتجربة هي خير دليل.. إذن فلنصور ثم نتظلم.. أقصد نتأكد...!!
وكذلك نهرول إلى أحد المطاعم المقابلة للجامعة لنشتري طعاما يعوض الطاقة التي فقدتها أجسادنا في الساعات السابقة، وفي الساعات اللاحقة أيضا..!
طبعا لا يسعدنا الحظ غالبا لنجلس.. بل نأكل ونحن نهرول لنجد وقتا كافيا للصلاة قبل المحاضرة التالية؛ حتى لا نضطر أن نهرول أيضا ونحن نصلي..!
وفي نهاية اليوم أهرول لألحق بالباص الجامعي(3) الذي ينطلق قبل نهاية آخر محاضرة عملية لي بربع الساعة.. فكان علي دائما أن أسابق الزمن أثناء سيكشن العملي لأنتهي مبكرا بنصف ساعة على الأقل، وإلا فعليّ التعامل مع معركة المواصلات بعد يوم حافل أصلا استنفذ كل طاقتي..!
صدقا كانت حياتنا في الكلية سباقا محموما وتوترا دائما..
ومع الأيام ألِفنا التوتر.. نعم.. ألفناه حتى صار طبيعة حياة!!!!
والآن .. سأترككم وأنتحي جانبا.. لأني أريد أن أسقط أرضا بعد كل هذه الهرولة..!!!
وإلى لقاء قريب مع حلقة جديدة بإذن الله..
دمتم سالمين.
_________________
(1) راجع الحلقة الثالثة!
(2) هناك حلقة خاصة عن امتحانات العملي.. عليك ألا تفوتها!!! وبالمناسبة: معذرة على كتابة بعض الكلمات بالإنجليزية؛ فهذه الكلمات لها رنين مميز في الذاكرة منذ تلك الأيام، وتذكرها كما هي له حميمية خاصة يستشعرها أبناء (علوم).. فالأمر إذن ليس تحذلقا عليكم والله...!!!
(3) كان خدمة جامعية باشتراك.





