‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات طالب حيوان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مذكرات طالب حيوان. إظهار كافة الرسائل

السبت، أبريل 16، 2011

46 مذكرات طالب حيوان(5): Run.. Lola.. Run..!!

!!..Run.. Lola.. Run


هذا اسم فيلم ألماني شاهدته قديما، عن فتاة تحاول إنقاذ صديقها من ارتكاب حماقة سرقة سوبر ماركت ليرد دَيْنا عليه لإحدى العصابات قبل أن يقتلوه، ومن أجل ذلك كان عليها الحصول على 100 ألف مارك ألماني في 20 دقيقة فقط!!! والفيلم يعرض أحداث ثلاثة سيناريوهات مختلفة لحصولها على هذا المال.. كلها كانت تقتضي أن تركض بلا توقف طوال الفيلم!!!!!


لكن ما علاقة هذا بحياتنا في كلية العلوم؟!!

* * * * *

الحقيقة أنني لم أستطع إخراج مشاهد هذا الفيلم من رأسي.. ذلك أنني ما إن شاهدته حتى تراءى لي أنه يوجز بدقة طبيعة حياتنا في كلية العلوم؛ فمنذ ولجنا من بابها - وعقب انتهاء التشريفة إياها(1) - حتى وجدنا أنفسنا في حلبة سباق ذرعها أربعة أعوام كاملة...!!
صدقني.. لا أبالغ في هذا الوصف.. هو على الأقل شعوري أنا ومعظم رفاق دُفعتي خلال تلك الأعوام الأربعة...!
فدائما الوقت ضيق.. والأعمال أكثر من الأوقات المتاحة..

ففي البداية.. كنا نهرول لمتابعة شرح الأساتذة للمنهج الذي يتحرك بلا توقف وبلا رحمة ليسمح لنا بترجمة الطلاسم اللاتينية فضلا عن الفهم ثم المذاكرة..!
ونهرول للبحث عن مذكرات بعض المعيدين المخضرمين التي يشرحون فيها بتبسيط ما تعرضه المراجع والمصادر (المجعلصة) والتي لم نتعود على التعامل معها..!
وعندما بدأت الأمور تتضح - واستطعنا تمييز رؤوسنا من أرجلنا - بدأ سباق الامتحانات..!
فنهرول من امتحان نظري إلى امتحان نظري..!
وبالمناسبة.. أتحداك أن تجد امتحانا ينتهي وليس في جعبتك ما لم يُكتب بعد.. يجب أن تُسحب الورقة منك سحبا..!!!!
وما أن ينتهي (تراك) الامتحانات النظري، فنتوقف قليلا لالتقاط أنفاسنا وشرب جرعة ماء، حتى نسمع طلقة البدء في المرحلة التالية من السباق، وهو امتحانات العملي.. 

وما أدراك ما امتحانات العملي..!!
عن ماذا أحكي لك؟
عن الـ End piont (نقطة النهاية) التي تصر دائما ألا تأتي؟!
أم عن المادة الـ Unknowm (المجهولة) التي بعد معرفتها في نهاية الامتحان تكتشف أنها ليست هي؛ لتنهار في صمت؟!
أم عن شرائح الأنسجة التي يأتون بها من كائنات فضائية ومطلوب منك أن ترسمها (بكل دقة وحنكة) من تحت المجهر لتكتشف أنها مقطع في أمعاء ضفدعة؟!
أم عن الكلمة المرعبة التي صرنا نكرهها كالطاعون: Change ؟! 
أم عن الـ 300 عينة من الثعابين والقواقع المطلوب حفظ الاسم اللاتيني المزدوج لكل منها.. دون أن يكفي بكاؤك حتى لتخفيض عددها؟!
أم عن قلب الضفدعة الذي يجب أن تعلقه في خطاف خارج جسدها دون أن تقتلها.. لتقوم بعمل رسم قلب لها؟!! 
أم عن أجهزة الفيزياء التي أتوا بها من قرن سابق لنختبر بها الآن؟ (2)
طبعا الوقت دائما يكفي بالكاد.. فقط في حالة واحدة: إن كنت تهرول لتحصِّل ما تريد..!!
هذا عن الهرولة المعنوية التي هي في الأساس هرولة ذهنية لا تقل جهدا - في رأيي - عن الهرولة الحسية.. 

أما عن الهرولة الجسدية الواقعية.. فلم نُحرمها بالطبع.. وحدث عنها ولا حرج..!
نهرول من قاعة (انتهت محاضرتها) إلى قاعة (ستبدأ محاضرتها)؛ لأن المسافة بينهما قد تصل إلى 500 مترا، بينما الزمن بين المحاضرتين صفر..!!!
نهرول - نحن الذكور.. أو للدقة: الحريصين منا - لنحصِّل مكانا في المقاعد الأولى.. حيث أن معظم دفعتنا من البنات والذكور قلة مندسة، وإذا وصلت بنت واحدة إلى مقعد واحد من المقاعد الأمامية فقد صارت جميعها محجوزة لبقية الزميلات الفضليات!!!
وإذا - أقول: إذا - كانت هناك ساعة فارغة بين محاضرتين فإننا نقضيها أيضا في... الهرولة..!
نعم..
فنهرول بين محلات التصوير لنصور مُذَكِّرةً أُشيعَ أنها أفضل ملخص موجود لمادة ما.. ونحن - كحمقى أو كمساكين - لا يمكننا أن نكذّب أو نصدّق ذلك.. فالتجربة هي خير دليل.. إذن فلنصور ثم نتظلم.. أقصد نتأكد...!!
وكذلك نهرول إلى أحد المطاعم المقابلة للجامعة لنشتري طعاما يعوض الطاقة التي فقدتها أجسادنا في الساعات السابقة، وفي الساعات اللاحقة أيضا..!
طبعا لا يسعدنا الحظ غالبا لنجلس.. بل نأكل ونحن نهرول لنجد وقتا كافيا للصلاة قبل المحاضرة التالية؛ حتى لا نضطر أن نهرول أيضا ونحن نصلي..!
وفي نهاية اليوم أهرول لألحق بالباص الجامعي(3) الذي ينطلق قبل نهاية آخر محاضرة عملية لي بربع الساعة.. فكان علي دائما أن أسابق الزمن أثناء سيكشن العملي لأنتهي مبكرا بنصف ساعة على الأقل، وإلا فعليّ التعامل مع معركة المواصلات بعد يوم حافل أصلا استنفذ كل طاقتي..! 
صدقا كانت حياتنا في الكلية سباقا محموما وتوترا دائما..
ومع الأيام ألِفنا التوتر.. نعم.. ألفناه حتى صار طبيعة حياة!!!!
والآن .. سأترككم وأنتحي جانبا.. لأني أريد أن أسقط أرضا بعد كل هذه الهرولة..!!!

وإلى لقاء قريب مع حلقة جديدة بإذن الله..
دمتم سالمين.    
_________________
(1) راجع الحلقة الثالثة!
(2) هناك حلقة خاصة عن امتحانات العملي.. عليك ألا تفوتها!!! وبالمناسبة: معذرة على كتابة بعض الكلمات بالإنجليزية؛ فهذه الكلمات لها رنين مميز في الذاكرة منذ تلك الأيام، وتذكرها كما هي له حميمية خاصة يستشعرها أبناء (علوم).. فالأمر إذن ليس تحذلقا عليكم والله...!!!
(3) كان خدمة جامعية باشتراك.

الثلاثاء، أبريل 05، 2011

28 مذكرات طالب حيوان(4): الهروب الكبير..!

الهروب الكبير..!




لا.. ليس المقصود هنا اسم ظاهرة من ظواهر الهجرة الجماعية للسردين أو سلاحف البحر التي تملأ ألغازها مراجع علم الحيوان..!! بل هي ظاهرة لم تسجلها المراجع أبدا.. ظاهرة اختصت بها كلية العلوم دون سائر الكليات..!!!!

* * * * *

عرفتَ في المرة السابقة صدمتي الأولى - أنا وأقراني - مع كليتنا الحبيبة.. عندما انفجرت في وجوهنا عاصفة المصطلحات اللاتينية والكلمات الإنجليزية التي لم نسمع بها عبر سني الدراسة كلها...
طبعا مرت الأيام الصعبة كما مرت على عشرات الدفعات من قبلنا.. وكان لزاما علينا أن ندرك حقائق هامة جدا في الحياة، وأن نتعايش مع مُسَلَّمَات لن تستقيم حياتنا - في قسم الحيوان طبعا! - من غيرها..
عرفنا مثلا أن حياتنا القادمة لن تسير إلا وقد تحولت البطن إلى abdomen بدلا من stomach.. والعنكبوت إلى arachnid بدلا من spider.. والانقسام إلى schism بدلا من split..!!! 
ولو لم نقتنع بذلك ونتعايش معه.. فلا نلومن إلا أنفسنا.. فالحياة في الخارج لن تتوقف من أجلنا ولن يتعاطف معنا بشر.. وستظل حوادث الميكروباصات تقع، ومشجعو المباريات يتعاركون، وأطباء الأسنان يتزوجون...!!!!  

* * * * *

لكن.. أليس هناك باب خلفي يمكن الهروب عبره من تلك المعمعة؟!!!
طبعا يوجد.. فكما قلتُ سابقا: ولماذا خُلقت كليات التجارة إن لم تكن للفارين من علوم؟!!!
الآن.. لك أن تفهم سبب هذا التجمع المخيف الذي يتكون في الأسبوع الأول أمام مكتب الموظفة المسئولة عن طلبات النقل، والذي من أجله تكاد الموظفة تلطم على وجهها من هذا الكم من العمل وهي تصرخ في هستيريا: "نهار أبيض.. هو انتو ماكنتوش عارفين إنتو داخلين كلية إيه"؟!!!! (رأيت رد فعلها هذا بنفسي!!!)..
لكن من حقك أن تسألني: ولماذا لم تقم أنتَ أيضا بالتحويل طالما الحل بهذه السهولة؟!
السبب هو أنني رفضتُ أن أكونَ مجرد رقم..!
نعم.. فبعد وقوفي في الطابور الطويل بضع دقائق رأيت مستقبلي بعد التحويل.. وساءني للغاية أن يقال عني: ها هو (طالب آخر) يفر من علوم.. لدينا الكثير من هؤلاء على كل حال!!!
وأنا - دعني أصارحك - أكره بشدة أن أكون مجرد (طالب آخر).. أن أكون رمزا مجهولا غير فاعلٍ في المعادلة..!!! فضلا عن مشاهدتي لمن كان أقل مني بكثير في المستوى الدراسي أيام المدرسة، وقد التحق معي بكلية العلوم، ولكنه لم يشكو، ولم يحاول الفرار...!!
قد يكون في هذا التصور نوع من الغرور وشيء من التعالي.. ربما.. لكن هكذا كان تفكيري.. وهذه كانت قناعاتي..!

وقررتُ أن أخوض التجربة ببعض الصبر.. فبالتأكيد - هذا ما أهتديتُ إليه - لستُ بدعا من آلاف الطلاب الذين يملؤون ردهات الكلية وقد تخطو أيام الشقاء الأولى.. 
وبالتأكيد ليسوا جميعا أعلى كفاءة مني أو أكثر ذكاء أو أغزر إمكانياتٍ.. إذن فتخطي الأمر ممكن.. وفي النهاية فكلية التجارة باقية ولن تذهب إلى مكان آخر...!!(1)

بالطبع لا أعني هنا الانتقاص من قدر كل شخص قام بالتحويل من الكلية، فربما كان البعض قد عرف قدراته جيدا وقيمها مبكرا.. لكن كما أسلفت: هذه قناعاتي التي حكمتني.. وهذه تجربتي الشخصية. 
وقد عرفتُ مَنْ ترك كلية العلوم (العلمية) - بعد عامين - إلى كلية دار العلوم (الأدبية) لأنه يحب اللغة العربية ويشعر أن دراستها هي الأنسب له، وبالفعل تفوق هناك وصار من الأوائل بعد أن كان هنا من الراسبين!!!  
الأمر إذن نسبي، ورغم أن كلا منا يمكنه استشارة الآخرين في تحديد مسار حياته.. لكن تبقى الحقيقة الأكيدة: أنه هو الوحيد المعني باتخاذ القرار والقادر على ذلك.. وهو الوحيد - أيضا - الذي عليه تحمل تبعات هذا القرار دون لوم أحدٍ ممن استشارهم!!

* * * * *

في نفس هذا الوقت كان طلاب قسمي يتعرضون لصدمة أخرى من نوع خاص.. كانت كفيلة بجعل الكثيرين يفكرون في ترك الكلية من جديد..!!
والقصة أن قسم (الأحياء Biology) يتفرع بدءا من السنة الثالثة إلى أربعة أقسام فرعية: علم النبات - علم الحشرات - علم الحيوان - علم التشريح والفسيولوجيا (وظائف الأعضاء).
ونظام الكلية يسمح لطلاب الفرع الأخير بالالتحاق بكلية الطب البشري بعد الانتهاء من العلوم (لتطابق مواد هذا الفرع مع المواد التي يدرسها طلاب السنتين الأولى والثانية في كلية الطب)؛ لذا كان خريج هذا الفرع يلتحق بالسنة الثالثة من الطب مباشرة.
هكذا كان قانون الكلية منذ نشأتها قبل 50 عاما تقريبا (وقت التحاقنا).. لكن هذا القانون سقط في سنة واحدة فقط.. تلك التي التحقتُ فيها بالكلية!!!!!!!
لماذا؟ لأن عميد الكلية كان مستاء من أن تكون كلية العلوم مجرد معبر لبعض الطلاب الذين يرغبون في دراسة الطب ولم يؤهلهم مجموعهم في الثانوية العامة لذلك!!!(2)
وضاعت الفرصة على الكثيرين.. لكني - صدقا - لم أكن منهم.. لأنني لم أحب يوما دراسة الطب.. لم أتقبل نفسيا أبدا - وما زلت - أن يكون الجسد البشري هو مسرح دراستي...وأن أعبث فيه بمبضع تشريح أو إبرة خياطة!!! فضلا عن حبي الحقيقي لدراسة علم الحيوان.. وهو ما ذكرته في مقدمة هذه المذكرات..!
لذا لم تشغلني هذه الصدمة التي شغلت الآخرين الذين بقي معظمهم في الكلية أملا في تغير القانون.. لكن السنة الأولى مرت دون أن يتغير القانون..
لكن صدمتهم الحقيقية كانت في السنة التالية عندما عاد القانون للتطبيق من جديد ليستمر بعد ذلك (دون أن يسري على دفعتنا!).. فقط لأن الدفعة التالية لنا كان بها عدد لا بأس به من أبناء أساتذة في كلية الطب!!!!!!!

* * * * *

الآن انتهت الصدمات.. وزالت العقبة الكؤود.. صارت الألفاظ العلمية اللاتينية مألوفة لأذني.. لا ألقى جهدا في فهمها من الدكاترة، والأدهى أنني صرت قادرا على الكتابة سريعا خلفهم بالإنجليزية الممزوجة باللاتينية..
لكن لماذا تعتقد أن الحياة في كلية العلوم صارت أكثر سلاسة وأرقى بهجةً...؟ من الساذج الذي صور لك هذا؟ أنــــا؟!
إذن عليك أن تقرأ الحلقة التالية: Run.. Lola.. Run ..!  
فإلى لقاء قريب بإذن الله.
______________
(1) تساءل بعض القراء المرة السابقة: لماذا (تجارة) وليس (زراعة) مثلا.. والسبب - في رأيي - أن كلية الزراعة لا تختلف كثيرا عن كلية العلوم في مشقتها الأولى ولا في مجال دراستها العلمي، وغالب من يحولون مسارهم عن (علوم) إنما يفرون أساسا من هذين الأمرين..!
(2) طبعا لم تكن الجامعات الخاصة قد ظهرت للوجود!!

الاثنين، نوفمبر 01، 2010

32 مذكرات طالب حيوان(3): وزأرت العاصفة..!!

(3) وزأرت العاصفة..!!


الآن أنت تمشي بخطوات بطيئة وجلة.. وتتطلع بعينين منبهرتين إلى كل ما يحيط بك.. ثم تأتي تلك الرنات لتكمل جوانب المشهد.. الرنات القوية للساعة العملاقة التي سمعتها مئات المرات في الأفلام والمسلسلات لتقرع أذنيك.. تِن تَن تِن تَن... تِن تَن تِن تَن....

إنها الجامعة.. تلك المرحلة التي طالما انتظرتها بعد سنوات من القيود....!
سنوات من الزي المدرسي.. وطابور الصباح.. والإذاعة المدرسية.. وتحية العلم.. والجلوس في طاولة واحدة لا تتغير طوال العام.. ومحاولة الإفلات من نظرات وأسئلة المدرسين يوميا.. والهمّ اليومي من عدم إتمام الواجب.. والاكتئاب الأسبوعي الذي يعكر فرحتك بيوم الجمعة لشعورك بأن الإجازة شارفت على الانتهاء وأن يوما دراسيا جديدا سيبدأ بعد ساعات...!!
إنها الحرية من كل تلك القيود...!

أنت تعتقد ذلك؛ لأن الدراما أوهمتك بذلك.. أنت لم تشاهد عن الدراسة الجامعية في الدراما سوى تلك المشاهد المكررة عن ذلك الطالب الذي لا يحمل سوى دفتر المحاضرات الذي - فيما يبدو - ليس له وظيفة إلا أن يكون مدخلا للحديث مع الجنس الآخر...!

إن هذه الصورة ربما تصح في بعض الأحيان، أو في بعض الكليات.. ولكنها لن تصح في حالتك.. فأنت تختلف.. قطعا تختلف؛ أنت يا عزيزي الآن أحد طلاب كلية العلوووووووم!!
وما أدراك ما كلية العلوم..؟!
تريد أن تعرف الفرق؟
فلنؤجل ذلك لما بعد، ولننطلق أولا إلى تلك الحجرة العتيقة حيث تسجيل رغباتك وتحديد الأقسام التي تود الالتحاق بها.. نعم.. هذا تنسيق داخلي إن كنت تسأل عن ذلك، لكنه تنسيق شكلي إلى حد ما..
ماذا ستكتب؟ ما زلتَ مصرا على قسم الأحياء الذي ستتخصص من خلاله في علم الحيوان..؟! فكر مرة أخرى.. فهذا القسم ليس له أدنى فرصة في سوق العمل..!
اسكت أيها العقل.. فهذه الكلية تسبب لي الكآبة وانقباض الصدر أساسا، فما دمتُ سأدرس فيها لأربع سنوات قادمة، فلأستمتع إذن بهذه الدراسة..
ماذا بك أيها العقل؟ لماذا أرى شبح ابتسامة مشفقة على شفتيك؟!

* * * * *

مرت بضعة أيام.. أنا الآن طالب في قسم الأحياء Biology.. ولكي أعرف من أين أبدأ فلأنطلق إلى تلك الشجرة العملاقة التي لا بد أن عمرها يفوق عمر الكلية نفسها..! إن ذلك الإطار الخشبي المثبت على جذعها الضخم يحتوي على جداول المحاضرات.. هذا واضح من تجمع الطلبة والطالبات حوله..
ذهبت إلى المدرج المقصود.. واتخذت لي مجلسا في مكان قريب من مكان المُحاضِر..



كان اسم المادة المكتوب في الجدول هو Physical Chemistry أو الكيمياء الفيزيائية؛ طبعا أنـا أعرف كلا من الأختين على حِدَة.. وعانيت منهما الأمرين في المرحلة الثانوية، لكن أن أقابلهما معا في مادة واحدة هي خليط منهما!!!! (ربنا يستر)..!

الدكتور المحاضر يدخل.. صخب الطلاب يتحول إلى همهمة، ثم إلى همس، ثم إلى صمت مطبق... هدووووووء...
فتحتُ دفتري، وتأهبتُ بقلمي لتدوين ما سيمليه علينا المحاضر.. بالتأكيد بعد أن يرحب بنا كطلاب جدد.. ويتمنى لنا عاما دراسيا سعيدا!!!!!
ولكن.. ألا ينذرك هذا الهدوء بشيء؟!
نعم..
إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة..
وبالفعل..
بعد لحظات من الصمت...
زأرت العاصفة...

عاصفة من الحديث المتواصل والشرح الذي لا ينقطع لمدة ساعة كاملة بالتمام والكمال.. وكل ذلك بالإنجليزية.. إنجليزية كاسحة أبادت في طريقها كل ما تعلمناه في أكثر من عقد من الزمان..!!
إن المحاضر - أشهد له - لم يخطئ مرة واحدة من أجلنا لينطق كلمة بالعربية..!
ومع كل دقيقة تمر عليّ أزداد إحساسا بالعجز والدونية.. حتى انتهت الساعة، وخرج المحاضر بكل هدوء تاركا خلفه كائنات كانت تملأ الحياة صخبا.. لكنها صارت كهشيم المحتظر..!!

كان الذهول يسيطر على الجميع.. نحن لم نفهم حرفا مما قال.. بل لم نفهم أصلا عن ماذا تتحدث هذه المادة!!!
ولكن، لن نفقد الأمل سريعا، فبالتأكيد هذا الدكتور يسعد (بتعقيد) الطلاب الجدد.. لكن غيره لا يفعل.. فلننتظر التالي إذن..
ولم يطل الانتظار؛ فليس هناك فارق زمني بين المحاضرة والتي تليها.. الأولى تنتهي مثلا في العاشرة صباحا، والثانية تبدأ في العاشرة صباحا.. وهذا -لعمري- من مميزات كلية العلوم الخالدة التي لم أرها في كلية أخرى!!!!

المهم.. دخلت دكتورة مادة الــ Morphology .. ما معناها؟ بالتأكيد سنعرف.. لمَ العجلة؟!!! فهذه الدكتورة يبدو عليها سمت الطيبة والأمومة.. هذه بالتأكيد تختلف عن سالفها.. فهي سترأف لحالنا.. (وتبل ريقنا بكلمتين عربي)...
وبالفعل كانت تختلف؛ فقد كانت العاصفة هذه المرة بالإنجليزية الممتزجة باللاتينية!!!!!
وخرجت بدورها - بعد ساعة - تاركة خلفها أعجاز نخل خاوية!!!!

ولك أن تتصور إحساسنا والمحاضرين يتناوبون علينا واحدا تلو الآخر بهذه الطريقة...!
هل شاهدتَ فيلم (البريء) أو فيلم (إحنا بتوع الأوتوبيس).. أو أي مصيبة أخرى يتكرر فيها مشهد دخول المسجونين إلى المعتقل...؟!
هل تعرف التشريفة التي يُقَابَلون بها..؟!
الصفعات والضربات التي تهوي عليهم من كل مكان، ومن لا مكان؟!
كان هذا شعوري في الأسبوع الأول..
أسبوع من التخبط وعدم التوازن.. تقريبا لم أميز بعد بين تخصصات الدكاترة الذين يدخلون علينا.. لا كلمة عربية واحدة!!
وفي البيت، أسهر الليل بطوله فقط لترجمة صفحة أو صفحتين من مذكرة المادة.. كيف لا؟ والصفحة الواحدة تحتوي على أكثر من 40 كلمة غير مفهومة!!!!
فضلا عن أن هناك كلمات باللاتينية لا تجدها في المعجم الإنجليزي أصلا!!!
ناهيك عن أنك تبحث يدويا في معجم (منير البعلبكي) العملاق، دون كمبيوتر أو مترجم إلكتروني فوري!!!!
ولولا أن الله نهانا عن سب الدهر، لوصفت تلك الأيام بلون داكن شديد القتامة...!!

وكنتيجة طبيعية.. سألت نفسي بهدوء مصطنع: لمَ كل هذا العذاب.. والحل سهل وموجود..؟!
فقالت لي نفسي: وما هو يا عبقري؟!
فصرخت فيها بانهيار: الفرار.. الفرار..!!
قالت لي: إلى أين؟
قلت لها بتلقائية: إلى (تجارة) طبعا.. فلماذا خُلِقَت كليات (التجارة) إن لم تكن للفارين من (علوم)؟!!!!


* * * * *

سيسألني سائل: إذا كان الحل سهلا لهذه الدرجة.. فلماذا لم تَقُم به إذن؟!
لكن الحديث طال هذه المرة..
فلنكمل في مرة قادمة...!
لكن ليس شرطا أن يكون البوست القادم..!

الاثنين، أكتوبر 18، 2010

23 مذكرات طالب حيوان(2): تأثير الفراشة..!

(2) تأثير الفراشة




تأثير الفراشة Butterfly Effect هو تعبير لنظرية فيزيائية ابتكرها (إدوارد لورينتز) عام 1963م تفسر الظواهر والتأثيرات المتواترة التى تنتج عن حدث أول بسيط، لكنه يُوَلِّد سلسلة من النتائج والتطورات التى يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وهو ما عبر عنه مفسرو النظرية بمثال شهير يقول أن رفَّـــة جناحَيْ فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا..!


لماذا ذكرتُ تأثير الفراشة هنا؟ لأنه أول ما يتبادر إلى ذهني كلما تذكرتُ سبب التحاقي بكلية العلوم.. كان حدثا صغيرا عارضا، لكنه وجَّهَ حياتي في مسار أدى إلى نتائج كانت ستتغير للغاية لولا ذلك الحدث...

كانت نتيجة الثانوية العامة قد ظهرت، وكان مجموعي لا يؤهلني للالتحاق بقسم العمارة في كلية الفنون الجميلة، أو كلية الفنون التطبيقية، حيث كان يحتاج إلى مجموع مرتفع يوازي كليات الهندسة..
المهم أن كلية العلوم كانت إحدى الخيارات المطروحة أمامي، لكني نُصِحتُ بعدم ارتيادها لأن خريجيها لا يحصلون على عمل بسهولة في دولة لا تقدِّر البحث العلمي.. "ولكني أعشق البحث العلمي؛ لذا سألتحق بكلية العلوم، وأتخصص في علم الحيوان الذي أحبه كحبي للرسم، حتى لو لم يكن له مكان في سوق العمل".. كان هذا التفكير العاطفي - الناتج عن الإحباط - هو الغالب عليَّ في تلك الأثناء.. لقد ضاعت مني فرصة دراسة الفنون، فلأدرس إذن ما أحب.. وهو طبعا تفكير غير سليم لا أنصح به طلاب الثانوية العامة لعدم واقعيته، وأنصحهم باستشارة من هم أكثر خبرة..

وظللت في حيرة شديدة لعدة أيام، هل أستمع إلى صوت العقل وألتحق بكلية عملية مثل الزراعة (رغم أني أكره دراسة علم النبات)، أم أستمع إلى صوت العاطفة وألتحق بكلية العلوم لدراسة علم الحيوان الذي أحبه مثل الفنون (رغم سمعته السيئة للغاية في سوق العمل)..؟!!!
كانت الكفتان متساويتان بداخلي، وليس لدي ما يرجح إحداهما على الأخرى... حتى حدث ذلك الحدث الصغير؛ الذي وجه مسار حياتي فيما يشبه تأثير الفراشة..!

كنت في زيارة لصديق، فوقعت عيناي على كتاب في مكتبته (ومشهد أي مكتبة له قوة المغناطيس على عيني!).. جذبني موضوع الكتاب إضافة إلى إخراجه المتميز، وصوره المبدعة، كان عن رحلة عالِم الحيوان (تشارلز داروين) حول العالم التي دامت خمس سنوات على متن السفينة (بيجل)، وعن منهجه في البحث العلمي وتدوينه للملاحظات العلمية حول الأحياء المتنوعة التي أدت إلى وضعه لنظرية التطور ومبدأ الانتخاب الطبيعي حول نشأة الإنسان.
كان أسلوب الكتاب ممتع جدا؛ فطَرَقَ على الجانب العاطفي لدي ورجحه بكل قوة؛ فقررت أن أسلك طريق البحث العلمي الذي أعشقه؛ لأكتشف الجديد والجديد مما استغلق علينا في عالم الحيوان، وهو ما كنتُ أتصور - بكل سذاجة - أن كلية العلوم ستوفره لي...!!!!

والتحقتُ بكلية العلوم وعيني مركزة منذ البداية على قسم الأحياء Biology الذي يمكنني التخصص من خلاله في دراسة علم الحيوان Zoology..
ولك أن تتصور مدى بُعد الهوة بين ما تصورته وتمنيته عن متعة البحث العلمي، وبين ما وجدتُه في عالم الواقع.. وهو ما سأتحدث عنه -بإذن الله في مرات لاحقة-..!!

واليوم - بعد كل تلك السنين - ما زلت أتساءل: ماذا لو لم تلمح عيناي ذلك الكتاب عند صديقي في ذلك اليوم؟ هل كنت سألتحق بكلية العلوم؟ وبالتالي هل كنت سأجد صعوبة في سوق العمل مما يجعلني أسافر للعمل في الخارج؟ وبالتالي هل كانت ستتغير طريقة اختياري لزوجتي؟ وماذا عن كل تلك الأحداث المتعاقبة والمتشعبة الناتجة عن علاقات الكلية والعمل والزواج..؟!!
... يالَتأثير الفراشة الذي يدير الرأس!!!

* * * * *

هذه قصة الالتحاق بالكلية..
فماذا وجدتُ داخل ذلك الصرح المهيب..؟
وما سبب ظاهرة (الهروب الكبير) التي تحدث في الشهر الأول من الدراسة.. والتي تتميز بها كلية العلوم عن سائر الكليات...؟!!
بالتأكيد لهذا حديث آخر..
دمتم سالمين.

الجمعة، أكتوبر 15، 2010

33 مذكرات طالب حيوان(1): مقدمة لازمة..!

(1) مقدمة لازمة

طبعا كان واضحا من بانر الإعلان أن هذه السلسلة هي مذكراتي في كلية العلوم.. وكنت أريد أن أتحدث - في الحلقة الأولى - عما قبل دخول كلية العلوم..
عن السبب في وقوعي في مستنقعها اللذيذ..!

لكنك - لا بد - تريد مني أن أفسر لك العنوان..!
الموضوع ببساطة أن هذه مذكرات.. وهي تخص طالب حيوان.. ظننت ذلك واضحا!!
تسألني: ومن المقصود بـ(طالب حيوان)؟
طبعا أنا المقصود بذلك.. ظننت ذلك مفهوما!!

تسألني من جديد: ولماذا أطلقتَ على نفسك هذا الاسم؟
سبحان الله..! بالتأكيد لأنني بالفعل طالب حيوان.. ظننت ذلك لا يحتاج إلى تفسير!!

الآن أرى أن البعض بدأ يفكر في خنقي!!
لذا - إيثارا للسلامة - سأفسر الأمور أكثر...
الحكاية أننا في الكلية كنا نحضر- من حين لآخر - بعض الفعاليات والأنشطة بالمشاركة مع طلاب من كليات أخرى، وكنا - بطبيعة الحال - نتعارف فيما بيننا؛ فكان كل طالب يعرفنا بنفسه ذاكرا اسمه واسم كليته.. لكن بما أن كليتنا عديدة الأقسام، فكان كل منا يذكر اسمه واسم القسم الذي ينتمي إليه..
فبينما يقدم الآخرون أنفسهم هكذا: محمد علي - تجارة، إبراهيم عبد الله - إعلام....
كنا نحن نقدم أنفسنا هكذا: كريم أحمد - كيمياء، ربيع عامر - جيولوجيا، .... ماجد القاضي - حيوان..!!!
كانت الكلمة تخرج مني تلقائية؛ فقد تعودنا في الكلية على ذلك، وهي لا تثير دهشة أو ضحك طالب العلوم.. لكن عندما يكون من الحاضرين طلاب من كليات أخرى كانت الضحكات تتعالى..!!
أظن أن الأمور الآن صارت واضحة.. فكما أن هناك مذكرات طالب تجارة.. ومذكرات طالب حقوق.. فهذه مذكرات طالب حيوان..!

* * * * *
لكن.. لماذا التحقتُ بكلية العلوم.. ذلك الصرح ذي الطراز الإنجليزي العتيق؟
وكيف صرتُ طالبا في قسم علوم الحيوان..؟
وما حكاية (تأثير الفراشة) معي؟
لهذا حديث آخر...