‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحب....... إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بحب....... إظهار كافة الرسائل

الاثنين، يونيو 20، 2011

26 بحب..(4): معشوقتي الدائمة..! (الجزء الثاني) + تحديث

معشوقتي الدائمة..!
(الجزء الثاني)

___________________________________
.......... التحديث في نهاية الموضوع ...........
___________________________________

إذن هل التحديات العديدة التي تواجهها (اللغة العربية) تمثل خطرا حقيقيا عليها للدرجة التي تمثل تهديدا بالانقراض كما يزعم بعض الباحثين؟؟!!!!
قبل أن أطرح الرد من وجهة نظري.. فلنتعرف أولا - في لمحة شبه سريعة - على أهم تلك التحديات المزعومة...

* * * * * 

(1) العامية مقابل الفصحى

يعتقد بعض المتابعين أن أهم المخاطر التي تواجه (اللغة العربية) هو إغراقنا في التحدث بالعامية، فضلا عن تطعيم تلك العامية بكلمات أعجمية (إنجليزية، وفرنسية في الغالب)..
أنا صراحة أرى أنه لا مشكلة من استخدام العامية.. فهذه طبيعة الأمور.. والألسن تميل إلى ذلك في كل مكان.. بل كان هناك لهجات متنوعة للعربية الفصحى نفسها وقت سيادتها على ألسنة أهل الجزيرة، والتشريع الإسلامي - الذي لم يأتِ لمصادمة الطبائع البشرية - اعترف بهذه اللهجات، لدرجة أنْ تَـنَـزَّل القرآن على لسان جبريل - عليه السلام - بأشهر سبع لهجات عند العرب(1).
أما عن استخدام الكلمات الإعجمية خلال الحديث.. فأرى - مع ما قد يظهره البعض من دهشة - أن السطور السابقة تنطبق عليها؛ ولا أرفضها إلا في حالتين:
1- أن يكون مقصد المتحدث بالكلمات الأعجمية هو التباهي على من لا يفهم كلماته من الحضور.
2- أن تُضيع كلماته الأعجمية أجرا بإزاحتها ألفاظا شرعية مقابلة؛ كاستبدال (جزاك الله خيرا) للشكر بـ(ميرسي)(2).. أو استبدال (سبحان الله!) للدهشة بـ(واااااو).. أو استبدال (السلام عليكم) للتحية بـ(هاي).. هكذا..!(3)    

* * * * *

(2) قاموس (رِوِش طحن)

أو قاموس (الرَّوْشَنة).. وهو قاموس بالمعنى الحرفي لا المجازي.. جمع فيه المؤلف (ياسر حماية) تلك الألفاظ التي انتشرت  بشكل خاص بين الشباب منذ عقد التسعينات من القرن المنصرم، وهي ألفاظ ذات دلالات كان لا يفهمها إلا تلك الفئة في البداية نظرا لانتشار الفساد الصارخ وانفصال شريحة ضخمة من الشباب عن واقع وطنها يائسة من إيجاد دور لها في تغيير منشود.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لانفصال هذا الشباب عن الأجيال الأكبر سنا التي انشغلت بتحصيل لقمة العيش وعدم تفرغها لمجرد التعرف على مشاكل أولئك الشباب فضلا عن فهمها!!.. ثم لم تلبث تلك الألفاظ (الرِّوشة) - غالبا بتأثير الدراما - أن فرضت نفسها فرضا على بقية المجتمع تقبلا ومن ثم استخداما..!!

ورأيي هنا تجاه هذه الألفاظ لا يختلف كثيرا عن رأيي في استخدام العامية، لأن طفو هذه الألفاظ على السطح وسيطرتها على الألسنة لا يجعلها في صراع أو مواجهة مع العربية الفصحى بقدر كونها - في حقيقة الأمر - في مواجهة مع العامية(4).. ودعنا نتفق مبدئيا على أن تلك الألفاظ (الروشة) لا تخالف أمرا شرعيا.. إذن الحديث عنها سيرتبط بالعرف.. وهنا اسمح لي أن أقول - وأرجو ألا أصدمك -: إذا كانت ستؤدي ما تؤديه العامية وارتضاها عرف المجتمع، فما المانع من استخدامها؟! خاصة أن مجال التوسعة والتضييق في استخدامها يدركه كل أحد، ويعرف كل شاب متى - ومع من - يصبغ كلامه كاملا بتلك الألفاظ، ومتى - ومع من - يكتفي بتطعيمه بها، ومتى - ومع من - يخفيها تماما من حديثه..!
ولا ننسى - في هذا السياق - أنه في يوم ما كانت كلمتا (كَبَّر) و(طَنِّش) - اللتان هما دلالة على تجاهل أمر ما وعدم الوقوف عنده طويلا - تمثلان لدى الكثيرين خطرا على العامية فضلا عن تمثيلهما لمستوى منخفض ثقافيا في المجتمع.. ولم تلبثا أن صارتا من لب العامية المصرية دون أن تثيرا أدنى استنكار أو استهجان لدى المجتمع..!!!!    

إذن شخصيا ليس لي تحفظ على استخدام قاموس الروشنة إلا في ثلاثة مواضع:
1- أن يكون اللفظ (الروش) ذا دلالة بذيئة، أي مرادفا لسباب أو شتيمة (وهذا طبيعي حتى في العامية العادية).
2- أن يكون بديلا عن لفظ شرعي؛ كاستبدال (ما شاء الله!) للاستحسان بـ(قشطة).. وهكذا.
3- أن يعطي انطباعا بعدم احترام المخاطب سيما لو كان اللفظ ما زال غير مقبول في مجتمع بعينه أو بيئة بعينها.

* * * * *

(3) في الدعوة والأدب.. الفصحى أم العامية؟

فلنجب - في سبيل ذلك - عن هذا السؤال أولا: ما وظيفة اللغة لدى الدعاة أو الأدباء؟ أليست هي مجرد وسيلة للتواصل مع المستمعين والقراء لكي تصل الرسالة المرجوة؟ إذن فكل ما يسهل هذا التواصل يمكننا استخدامه بكل بساطة.. ودعني أرجع لقاعدتي الأساسية في تقييم الأمور الخلافية.. فطالما أن أسلوب التواصل لن يخالف أمرا شرعيا فلا حرج من استخدامه.. وفي حالتنا هذه يُترك الأمر لكل صاحب رسالة (داعية أو أديب أو إعلامي) أن يستخدم أنسب وسيلة لمخاطبة جمهوره المستهدف.. فهناك جمهور لا يصلح معه إلا الفصحى، وآخر لا يفهم إلا العامية، وكل من الفصحى والعامية لها درجات ومستويات متنوعة يقدرها صاحب الرسالة، وبقدر إدراكه لجمهوره وطبيعة (اللغة) التي يجب مخاطبته بها بقدر ما يكون نجاحه. مع الانتباه إلى استخدام أرقى مفردات في (اللغة) التي سيستخدمها. 
ومن الجدير بالذكر أن كل نبي (والأنبياء هم أصحاب أعظم رسالة على وجه الأرض) كان يرسله الله - عز وجل - بـ(لغة قومه)؛ لكي تكون أسهل طريقة للوصول إلى أفهامهم..!

* * * * *

الآن نعود إلى السؤال الأصلي الذي بدأنا به موضوعنا: هل هناك خطر حقيقي يهدد بانقراض (العربية الفصحى)؟ 

مبدئيا أرى أنه من المشقة بمكان أن أدعو الناس - سيما العوام - للتحدث بالفصحى ولو مرحليا.. لأنني أرى - ببساطة - أن ذلك لن يمثل إلا حرثا في الماء..! 

ناهيكَ عن أن التجربة أثبتت فشل المحاولات العديدة لتحبيب الناس في (اللغة العربية) فضلا عن تحدثهم بها..!!!
وهذه ليست إشارة مني لعدم أهمية (العربية) أو دعوة إلى تركها.. كلا كلا.. ولكنني أعتقد أن الحل سيأتي عندما تتحول أنظمتنا التعليمية إلى احترام هويتنا إجمالا، والاهتمام بشكل خاص بتعليم (القرآن الكريم) و(اللغة العربية) وإعطاء كل منهما حقه ومستحقه كباب وطريق إلى استرجاع هويتنا وقيمنا في مقابل الهويات والقيم التي تفرضها علينا (العولمة) بكل أسلحتها الشرسة.. وقتها فقط - تلقائيا وفي سنوات قليلة معدودة وبأقل مجهود ممكن - سيظهر جيل جديد ذو هوية عربية قلبا وقالبا ومحب تلقائيا لكل مفرداتها بما فيها اللغة التي تمثلها.
وصدقوني.. من أسهل الأمور تدريب الألسنة على نطق العربية..
ألا تصدقون؟ حسنا.. فليترك كل منكم ابنه أمام الكرتون الناطق بالفصحى لمدة أسبوع فقط.. ثم ليحاول أن يحدثه بها.. وسينبهر من النتيجة..!! 
ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن (اللغة العـبـرية) تم إحياؤها من موات كامل في سنوات قليلة لمجرد أن أهلها احترموا هويتهم واستشعروا أهمية لغتهم في تمييزهم عن بقية الشعوب..!!

أما أن (العربية الفصحى) يهددها خطر الانقراض.. فهو زعم - لو تعلمون - عجيب.. نعم.. كان حريا بهذه اللغة أن تنقرض أو تتبدل كليا كغيرها من اللغات، وهي ليست بدعا منها.. لكنها تتميز عنها بأنها محفوظة من قِبل الله - عز وجل -.. ذلك أن حفظ القرآن الخالد - بوعد ربنا لنا - هو بلا ريب حفظٌ لوعائه الذي هو (العربية). فتجد المتحدث بالعربية الآن يفهم العربية التي سادت منذ أكثر من 1400 عام، على العكس مثلا من متحدثي الفرنسية الذين يستحيل عليهم فهم الفرنسية التي سادت منذ 400 عام فقط...!!!

* * * * *

في الجزء الثالث - بإذن الله - سأقتصر على تقديم هدية لن يقدر أهميتها وجمالها - في ظني - إلا محبي العربية.
دمتم سالمين.
..................................................................

التحديث
كنت أنوي - كما هو واضح - تقديم هديتي في جزء ثالث.. لكني عدلتُ عن ذلك في سبيل جعلها في صفحة خاصة ثابتة يمكن لكل زائر العودة إليها في أي وقت...
وهديتي ستجدها في هــــــــــــــذا الرابـــــــــــــط جزاء وفاقا على صبرك علي لجزءين كاملين!!!!  :) 
أرجو لكل مدون محب للكتابة بالعربية الفصحى أن يستفيد منها أكبر استفادة.. على ألا ينساني من دعائه.     
_______________
(1) كان الهدف من هذا في البداية هو سهولة فهم العرب جميعا للقرآن ومن ثم تقبلهم له.. ثم قام الخليفة الثالث (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - بتحريق كل المصاحف التي كتبت بلهجة غير لهجة قريش لأسباب ليس هذا مجالها.. المهم أن ذلك كان بإجماع من الصحابة في عصره، أي أن هذا الاجتهاد - الـمُجمَع عليه - صار تشريعا في حد ذاته كالقرآن والسنة.. وصارت القراءة المعتمدة لدى المسلمين هي التي بلهجة قريش. وبالمناسبة هذه القراءات غير القراءات السبع أو العشر المشهورة عن الطرق المختلفة لمشاهير القراء. 
(2) الصحيح لغويا - على غير الشائع - أن استبدال تعني الجديد لا القديم، كالقول: "استبدل حسين (سيارة جديدة) بـــ(سيارته المعطلة القديمة)".. [لاحظ هنا أن الباء تدخل على الملغي].
(3) لعدم سيطرة اللغة الأجنبية على ألسنة أبنائنا.. أنصح هنا من يفضل مدارس اللغات لأبنائه أن يختار لهم تلك التي تهتم بجدية باللغة العربية والقرآن الكريم (وهي متوافرة بكثر حاليا ولله الحمد).. وإن لم يجد فليحرص على تعليمهم القرآن بأحكام التجويد على يد شيخ متقن؛ فهذا أكبر مقوم وحافظ لألسنة أطفالنا الدارسين في تلك المدارس.
(4) طبعا أقصد هنا العامية المصرية.. ولا أعرف بشكل دقيق إن كانت هناك (قواميس) مشابهة لدى شباب الدول العربية الأخرى أم أن هذه الظاهرة مرتبطة بالبيئة المصرية فقط..!! وإن كانت كذلك فهذا يستدعي بحثا ودراسة من أهل التخصص لتفسير خصوصية هذه الظاهرة لدى الحالة المصرية..!!!! 

الجمعة، يونيو 17، 2011

36 بحب..(3): معشوقتي الدائمة..! (الجزء الأول)


معشوقتي الدائمة..!
(الجزء الأول)

لو أنكم تذكرون فإن الهدف من هذه السلسلة [مثلما عرضتُ في العنوان الثاني من هذا الرابــــــــــط] هو أن أتحدث فيها عن الأشياء التي أحبها في الحياة؛ لأن هذا حري بأن يضع النفس في جو خاص من الراحة والبهجة في مقابل الأحداث الجسام التي تحيط بنا وتخترق أفكارنا ومشاعرنا كل يوم بل كل ساعة...!


واليوم أحدثكم عن معشوقتي التي لا أعرف - صدقا - كيف صارت كذلك..!!!
عندما أعود بالذاكرة إلى الوراء وأسترجع تلك الليلة القاتمة العصيبة أدهش بشدة من أنها كانت ليلة التحول المفاجئة لمشاعري تجاه معشوقتي من الضد إلى الضد...!!!!
كانت ليلة من تلك الليالي التي يعرفها كل طالب ينتظر امتحانا في الصباح التالي لمادة لم يتعرف عليها من قبل ولا يفقه منها كلمة واحدة..!
هل تعرف مشاعر ذلك الطالب؟ هل مررت بهذه التجربة المروعة يوما؟ لو كنتَ كذلك فقد وفرت علي سطورا من الوصف لمشاعر لا أريد استرجاعها بعد هذا الزمن الطويل...!!!
عشت تلك الليلة وأنا في الصف الثاني المتوسط(1).. وكانت هذه المادة هي (اللغة العربية).. وبدأت الكارثة - أو للدقة الانتباه إليها - عندما راحت والدتي تراجع معي معلوماتي في (النحو) الذي سيشكل جزءا كبيرا من الامتحان غدا.. فإذا بها تجد أمامها تمثالا مجسما للجهل الأقرب للبلاهة؛ إذ لا يعرف أصلا ما المقصود بـ(النحو)..!!!!
بالطبع دُهِشت بشدة هي وأخي الذي يكبرني بسنوات أربع.. وظلا يسألاني لمدة 10 دقائق أسئلة متنوعة في (النحو) ليتأكدا بعدها من أن الكارثة حقيقية.. أي أنني فعلا لا أدعي البلاهة..!!

وهنا بدأ أخي - في مبادرة لن أنساها له - في تهدئتي، وأخذ يشرح لي بهدوء (كورسا) مكثفا في النحو بداية بالتمييز بين (الاسم) و(الفعل) و(الحرف)، مرورا بأنواع الجمل وأنواع الأفعال، والأفعال الناسخة (كان وأخواتها) والحروف الناسخة (إن وأهواتها).. وانتهاء بطريقة الإعراب الصحيحة لجميع مكونات الجملة - اسمية كانت أو فعلية - من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول..!!!
ولم تنتهي الليلة حتى صرتُ إنسانا آخر -إن جاز التعبير-.. إنسانا يعرف أهم مفردات (النحو).. إنسانا يفهم (النحو).. والأهم من ذلك.. إنسانا يعشق (النحو)..!!
وبما أن (النحو) هو الباب الصعب الذي يمنع الكثيرين من الولوج إلى عالم (اللغة العربية)، بل يخيفهم منها.. فما إن انفتح لي هذا الباب حتى دخلت إلى ذلك العالم الممتع أشد الإمتاع.. عالم (اللغة العربية)..!!

أي عصا سحرية كان يمسك بها أخي ليربِّتَ بها على صدري فأصبح ذلك العاشق الولهان للغتنا الحبيبة..؟!
صدقا لا أدري..!!
لكن كل ما أعلمه أنني منذ ذلك اليوم صرتُ متيما بها.. بـ(اللغة العربية)..!!!
ومع الأيام رحت أعب عبا وألتهم التهاما أي دراسة أو بحث أو مقال يدور عنها أو في فلكها.. وبشكل خاص كل ما يدور عن علم (النحو)..
وعندما صرت في الصف الثالث الإعدادي كم كانت فرحتي غامرة عندما علمت أن في الدنيا علما يسمى علم (الصرف).. وتضاعفت سعادتي عندما تعرفت في الصف الأول الثانوي على علم رائع آخر يسمى (البلاغة)... حقا لم أكن أعلم أن الحياة تحوي أشياء مبهجة لهذه الدرجة...!!!!   

ولكن يبدو أن سحر تلك الليلة لم يصبني كاملا (!!)؛ فلم أستطع أبدا أن أحب الشعر أو الخواطر الأقرب في نظمها إلى الشعر.. وطالما بحثتُ عن السبب في حيرة.. لكن أقرب الإجابات إلى ذهني أنني لا أحب الغموض.. وللأسف معظم ما أقرؤه من شعر أو خواطر يلفه الغموض.. فلم أتذوق يوما إلا شعرا ذا أفكار جلية ومفردات واضحة.. وربما لهذا السبب أحببتُ أشعار القرضاوي والعشماوي وهاشم الرفاعي ومطر...!!

* * * * * 

وتعددت مظاهر حبي المفرط لـ(الغة العربية).. حيث اهتممت بتحسين خطي - باستخدام كتب خاصة - إلى أن صار معروفا لدى المدرسين على مستوى المدرسة.. وطوال المرحلتين الإعدادية والثانوية كانت درجتي في مادة (الإملاء) و(النحو) هي النهائية دائما، وحتى مادة (التعبير) فكنت كثيرا ما أحصِّل فيها الدرجة النهائية...!!    
هذا فضلا عن اتفاقي مع اثنين من رفاقي - ممن يشاركونني حب العربية - على أن نتحدث فيما بيننا بالفصحى فقط، تدعيما لإتقانها والتعود عليها... طبعا فقط بيننا، وإلا فلن نسلم من سخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين..!!!  :)

* * * * *

ثم فيما بين نهاية المرحلة الإعدادية وبداية المرحلة الثانوية حدثت ثلاثة أحداث ساعدت على مزيد من إتقاني لـ(اللغة العربية)، ومن ثم على مزيد من غرس حبها في قلبي:

أولها: بداية قراءتي المنتظمة للقرآن الكريم (عن طريق وِرْدٍ يومي ثابت)؛ فكان أن تعاملتُ مع أعظم نص يمكن أن تظهر من خلاله عبقرية وروعة وعذوبة وغنى هذه اللغة.. وأضحى الأمر بمثابة معادلة ذات طرفين كل منهما يؤدي إلى الآخر.. حبي للعربية زادني فهما للقرآن ومن ثم حبا له وقربا منه.. وزيادة فهمي للقرآن زادتني توغلا في (اللغة العربية) واكتشافي آفاقا رحبة جديدة في عالمها الرائع الفسيح.. وهكذا باستمرار.. كلما ارتفع مقدار طرف ارتفع مقدار الطرف الآخر تلقائيا..!

وثانيها: قراءتي في وقت قياسي لكتاب (النحو والصرف) الذي يشمل قواعد النحو جميعها، والذي استلمناه في بداية المرحلة الثانوية للقراءة الحرة، مما دعم عندي تذوق القرآن وفهم الكثير مما استغلق عليّ من تراكيبه، وهو ما أدى - بالتالي - إلى مزيد من الارتباط بـ(اللغة العربية).

أما ثالثها: فكانت نصيحة قدمها أحد مدرسي (اللغة العربية) في لقاء إذاعي مدرسي معه عندما سئل عن أفضل الوسائل التي تزيد الثروة اللغوية لدى الطلاب.. حيث أخبر أن السبيل إلى ذلك أن يهتم الطالب بجمع مرادفات مختلفة للكلمة الواحدة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. وأذكر يومها أن بهرتني الفكرة وجذبت انتباهي بشدة (أليست طريقة جديدة للتودد إلى معشوقتي؟).. 
وفي نفس اليوم بدأت أدون في الغلاف الداخلي لكتاب النصوص الكلمات التي أعرف لها أكثر من مرادف، وكنت أظن أنني سأستغرق وقتا طويلا لأملأ ذلك الغلاف، لكن لم تمر أيام معدودات إلا وقد امتلأ الغلاف عن آخره، فانتقلتُ إلى دفتر خاص(2).. ثم تطور الأمر إلى هواية أكثر متعة ضاعفت سريعا فهمي لألفاظ القرآن الكريم، وهي التعرف على الفرق الدقيق بين كل مترادفين؛ فمثلا: الفرق بين كلمتيْ (جلس) و(قعد) أن الأولى تكون من وقوف والثانية من اتكاء.. والفرق بين كلمتي (جاء) و(أتى) أن الأولى تكون للمحسوسات والثانية للمعنويات [فتجد في القرآن: "وجاء رجل من أقصى المدينة"، "أتى أمر الله"].. وهكذا..!(3)

* * * * * 

الحديث لم ينتهِ بعد.. ففي (الجزء الثاني) سأتطرق من وجهة نظري - إن شاء الله - للآتي:
* قاموس (روش طحن) ومدى علاقته بلغتنا الحبيبة وتأثيره عليها إن كان له تأثير.
* هل حقا (اللغة العربية) في خطر داهم كما يردد العديد من الباحثين؟ وهل هي فعلا مهددة بالانقراض كما يزعم آخرون؟ 
* أيهما أفضل للداعية أو الأديب: التحدث أو الكتابة بـ(اللغة العربية الفصحى) أم بـ(اللهجة العامية)؟

دمتم سالمين محبين للغتنا الرائعة.
___________
(1) يوازي في نظام التعليم المصري الصف السادس الابتدائي. 
(2) كم أتصور سعادة ذلك المدرس - إن كان على قيد الحياة - لو علم أن هناك مِن تلاميذه مَن أخذ بهذه النصيحة وما زال يعمل بها منذ أكثر من ربع قرن من الزمان..! فجزاه الله عني خير الجزاء.  
(3) ظللت سنين أجمع مثل تلك الفروقات دون أن أجد كتابا خاصا يجمعها، حتى منَّ الله عليّ بمعرفة الدكتور/ فاضل السامرائي عن طريق التلفاز.. وهو عبقرية لغوية في هذا الشأن، أنصح كل من يهتم بالفهم العميق للقرآن أن يقرأ تراث هذا الرجل ويتابع برامجه. 

الأربعاء، ديسمبر 15، 2010

52 أيوه.. بحب البنات! (2-2)


أيوه.. بحب البنات! (2-2)


ندى
ربى
دعونا نتفق - أولا - على أنه من الجائز شرعا أن نحب إحدى نعم الله بدرجة أكثر من نعمة أخرى.. بينما غير الجائز هو الاعتراض على أي منحة أو محنة يقدرها الله لنا أو علينا..!

ودعونا نتفق - ثانيا - على أن الأولاد (ذكورا وإناثا) هم فتنة.. سواء بالمَنْح.. أو بالمنع.. أو بالمنح ثم الفقد.. أي أنهم في الحالات كلها فتنة يختبرنا الله - عز وجل - بها ليبلُوَنا أنشكر النعمة أم نكفر بها..!

ودعونا نتفق - ثالثا - على أن الآراء التي تحملها السطور التالية إنما تمثل فقط منظوري الشخصي النابع من تجاربي مع أولادي وأولاد العائلة..! 

إذا اتفقنا على ذلك فهي قاعدة إذن أنطلق منها في ثرثرتي معكم قائلا بتفصيل أكثر هذه المرة: أيوه.. أنا بحب البنات أكتر من الولاد.. وفي كلٍّ خير.

لكن لماذا أفضل إنجاب الإناث على الذكور؟

أولا: في الحقيقة يتساوى لدي الأطفال في السن الذي يسبق الأعوام الثلاثة الأولى.. لكن الأمر يختلف فيما بعد هذه السن وفقا لمشاهداتي وتأملاتي؛ فبخلاف القليل من الاستثناءات، تقابلني الصور التالية: 

هي تزداد رقة.. هو يزداد خشونة..!
هي لُعَبُها دباديب وعرائس ومكعبات.. هو لعبه مسدسات ومسدسات ومسدسات..!
هي: يا لا نلعب بيت.. هو: يا لا نلعب مصارعة..!
هي حبيبة بابا.. هو يغار على ماما من بابا..!
هي ترفق بأخيها الرضيع وتهدهده مثل ماما.. هو يحاول بكل الطرق المبتكرة القضاء على حياة هذا المخلوق البائس..!
هي مشروع أُمّ تنتظر فقط أن تبلغ لتبدأ في تكوين أسرة.. هو مشروع مجرم ينتظر فقط أن يبلغ السن القانونية لقيادة سيارة أبيه وارتكاب أول حادثة..!
هي النسمة التي تساعد ماما في المطبخ وحمل الأطباق وتنظيف المنزل.. هو الإعصار الكفيل بتدمير كل سليم وإفساد كل جميل في المنزل..!  
الخلاصة: هي فراشة حالمة ترفرف في البيت.. هو مصيبة تنتظر أن تقع في أية لحظة..!

لذا لك أن تتصور مقدار المتعة الفائقة والراحة النفسية البالغة التي أشعر بها في التعامل مع الطفلة الأنثى عن الذكر...!

ثانيا: لطالما شعرتُ بشفقة بالغة على أي طفلة صغيرة - إلى الدرجة التي تترقرق فيها دمعتي أحيانا -.. ذلك عندما أشاهدها تلعب وتمرح بكل براءة وحرية وسعادة حيث لا تلقى من المجتمع المحيط بها إلا المداعبة والتدليل والرقة في المعاملة.. غير عالمة - المسكينة - بما يخبؤه لها مستقبلا نفس هذا المجتمع من أفكار ظالمة وآراء متحجرة - الدين منها براء - تنتقص من قدرها وتحيطها بقيود صارمة غير مبررة.. فقط لأنها أنثى..!!!
ولولا أن المقام لا يسمح.. لسطرت في هذا تدوينات وتدوينات...!!

المهم أنني نتيجة هذا الظلم البَيِّن تمنيتُ - ولا تتعجب - أن أنجب أنثى؛ لأربيها - بمعونة من الله - على القيم والمعاني الإيجابية للشرع الحنيف، وأسلحها بالمهارات والقدرات والتجارب التي تؤهلها لمواجهة هذا المجتمع - الظالم في أغلبه - بكل ثقة وقوة وكفاءة.. والتي تجبر الجميع على التعامل معها بكل احترام وتقدير ودون انتقاص أو حتى شفقة..!

وهذا ما أتبعه مع زهرتي عمري (ندى - 5.5 سنة) و(رُبى - 3.5 سنة)...
فبفضل من الله لم أعاقب إحداهما - حين أعاقبهما - إلا بِنِيَّة التأديب لا الانتقام؛ ليكون العقاب إيجابيا..
ولم أُهِنْ إحداهما أمام الآخرين أو حتى داخل المنزل؛ لتنشآ بنفس عزيزة كريمة.. 
لم أكذب عليهما في قولٍ قلتُه أو وعدٍ قطعته؛ لأبني بيني وبينهما ثقة تجعلهما يقبلان بعض الأوامر والنواهي التي لا أقدر على تبريرها في حينها..   
أناقشهما في غالب ما يتعلق بهما من أمور؛ لتكون لديهما القدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته..
أعترف لهما بالخطأ والنسيان إذا بدرا مني؛ لتتكون لديهما نظرة متوازنة بين التقديس الزائد و التهوين المبالغ تجاه أي إنسان مهما كان شأنه..

هذا منهجي في تربيتهما الذي لن أحيد عنه بإذن الله ما حييت؛ والذي لم أكن لأقدر على اتباعه والاستمرار فيه بدون أمهما التي تتصف بالفعل بتلك الصفات التي أتمناها لبنتي عندما تكبران، والتي تحمل العبء كاملا أثناء غيابي بكفاءة تحسد عليها..!!!


وبفضل من الله ومنة، يؤتي الأمر ثماره يوما بعد يوم....
فبقدر دهشتي.. كم كانت سعادتي عندما دار الحوار التالي مؤخرا بيني وبين (ندى):
- كفاية لعب على الكمبيوتر يا (ندى).
- لسه شوية يا بابا.
- لأ خلاص كفاية.
- ليه بس يا بابا؟!
- علشان بابا عاوز يشتغل على الكمبيوتر.
- بس أنا عاوزة ألعب. (بإصرار)
- لأ خلاص.. أنا قررت كده. (بنفاد صبر)
- بس القرار مش قرارك لوحدك. [قالتها بنفس النص]
- ...................!!!!!  


* * * * *
تنويهات

1- أشكر كلا من دكتورة (ستيتة الحمش) وأختنا (كلمات من نور) وأخينا (واحد من الناس) على استجابتهم للدعوتي بكتابة بوست عما نحب؛ ويمكنك مطالعة مواضيعهم على الترتيب: (بتحب إيه؟ الحدود.. رايح جاي) - (بحب التدوين) - (خيال *حقيقة محاولة للفرح).
2- دعوة لصيام يوم (عاشوراء) الموافق الخميس 16 / 12 / 2010م لتكفير سيئات عام مضى.. وحبذا إرفاقه بصيام يومٍ قبله (تاسوعاء) أو يوم بعدة (الحادي عشر) كما ورد في صحيح السنة.

السبت، ديسمبر 11، 2010

62 أيوه.. بحب البنات! (1-2)


أيوه.. بحب البنات!! (1-2)


جميعكم يعرف هذا المشهد.. إن لم يكن بالمشاركة، فبالمشاهدة!!

- إنت متجوز؟
- الحمد لله (!)
- عندك أولاد؟
- لله الحمد (!!) 
- كام؟
- اتنين (!!!) (بابتسامة من طراز: آه - بدأنا - الاستجواب)
- ولاد ولا بنات؟
- بنتين (!!!!) (بابتسامة من طراز: اللهم - طولك - يا - روح)
- معلش.. كل اللي يجيبو ربنا كويس! (بشفقة)
- معلش على إيه بالضبط (؟!!!!!)
- على العموم ما تقلقش.. (مشغولا بطأطأة رأسه في حسرة حقيقية!!)
- بس أنا مش قلقان من حاجة (!!!!!!) (مقاطعا بدهشة مغلولة أو غل مدهوش)
- صدقني بكرة تخاويهم إن شاء الله.. (بإصرار غريب!)
- .............(!!!!!!!)

pause

حتى هذه اللحظة قد تتشابه الحوارات إلى حد كبير.. لكن أحسب أن الجزء التالي من الحوار قد تختلف فيه ردود الأفعال؛ فنصفنا يكتفي بالابتسام أو الإيماء برأسه حرجا، والنصف الثاني قد يشكر محاوره على شعوره العميق وإحساسه البالغ بمعاناته لعدم إنجاب أولادٍ ذكور؛ حيث أنه بالفعل يشعر بهذه المعاناة..!
لكنني - حقيقة - أنتمي إلى النصف الثالث (!!)؛ إذ يكون رد فعلي - عندما أكون هادئا طبعا - كالتالي:

play

- مين قلك إن أنا عاوز أخاويهم؟!
- بس يا راجل.. ما تقولش كده! (بعتاب مندهش)
- حقيقي أنا مش عاوز أخاويهم..!
- استغفر ربك بسرعة! (برعب)
- أستغفر الله العظيم في كل وقت وحين.. لكن إيه علاقة ده بأني مش عاوز أخاويهم؟!
- ما هو مش معقول فيه حد مش عاوز ولاد!! [يقصد ذكورا طبعا]
- صدقني.. أنا الحدّ ده!
- طيب ليه؟!!!
- دي حاجة تخصني!! (بابتسامة من طراز: وإياك - تسألني - الأسئلة - دي - تاني)

stop

هنا يكون قد وصل إلى الحد غير المسموح له بتجاوزه.. وإنما كان الدافع الوحيد لاستمراري في الحديث هو أن أبرز له وأؤكد على رفضي لشفقته غير المبررة، والتي أصبحت من مسلمات مجتمعنا...
أنا أقبل وأتفهم إحساس الناس بالشفقة على من لم ينجب (مع رفضي للإعراب عنها بمناسبة وغير مناسبة لصاحب الشأن).. لكن لا أقبل ولا أتفهم أبدا الإحساس بالشفقة على من من لم ينجب إلا البنات!!!!!
الأغرب أن الكثير من نساء مجتمعنا ذاتهن لهن نفس هذه النظرة العجيبة...!



خذ عندك مثلا جدتي لوالدتي.. فهي - إن كنت لا تعرف - ممن لديهم قناعة واضحة أن جنس البنات ليس له فائدة ترجى في هذا العالم؛ ولولا أنهن من يملكن الأرحام ويلدن الذكور يوما ما لكانت صدَّقَت على أول مشروع يُطرح بإعادة وأد البنات!!!!
ما أن تراني أو تهاتفني حتى تلقي عليّ سؤالها الأزلي بكل حسرة:
- مش هشوفلك ولاد قبل ما أموت؟!!
- بعد الشر عليكي يا تيتة!
- طيب ما بتسمعش الكلام لي؟!
- آسف يا تيتة.. عندك حق.. أنا خلاص قررت إني أجيب ولد.. اصبري عليّ شوية والأجازة الجاية هيكون معايا (!!!!!!)
- طب بذمتك مش زعلان إن ماعندكش ولاد؟
- طبعا يا تيتة.. دا انا حتى بمشي في الشارع مطأطأ راسي وباصص في الأرض عشان ماعنديش غير بنات (!!!)

تقريبا يدور الحوار بهذه الطريقة كل مرة!!!!
ولا يسألني أحدكم السؤال الذكي: هي تيتة دي مش ست برضه؟!!
كما لا يسألني أحكم بمكر: أمال فين الأسد اللي كان بيكلم الراجل الغلبان اللي فوق؟!!
يبدو أنكم لا تفهمون.. (دي تيتة يا جماعة... تبقى مصيبة لو قلت في وشها اللي هقوله لكم دلوقتي!! لأنه لو حصل هتمرض فيها، طبعا بعد ما تحرمني من الميراث!!!)..

أقولها بأعلى صوتي: (والله العظيم أنا مش عاوز ولاد.. لأني فعلا بحب البنات بس!!!!)
تتساءلون مثل صاحبنا:
- طيب ليييييه؟!!
- إن شاء الله لما أعرفكم على بناتي هتعرفوا ليه...

لكن للحديث بقية....