(2) تأثير الفراشة
تأثير الفراشة Butterfly Effect هو تعبير لنظرية فيزيائية ابتكرها (إدوارد لورينتز) عام 1963م تفسر الظواهر والتأثيرات المتواترة التى تنتج عن حدث أول بسيط، لكنه يُوَلِّد سلسلة من النتائج والتطورات التى يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وهو ما عبر عنه مفسرو النظرية بمثال شهير يقول أن رفَّـــة جناحَيْ فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا..!
لماذا ذكرتُ تأثير الفراشة هنا؟ لأنه أول ما يتبادر إلى ذهني كلما تذكرتُ سبب التحاقي بكلية العلوم.. كان حدثا صغيرا عارضا، لكنه وجَّهَ حياتي في مسار أدى إلى نتائج كانت ستتغير للغاية لولا ذلك الحدث...
كانت نتيجة الثانوية العامة قد ظهرت، وكان مجموعي لا يؤهلني للالتحاق بقسم العمارة في كلية الفنون الجميلة، أو كلية الفنون التطبيقية، حيث كان يحتاج إلى مجموع مرتفع يوازي كليات الهندسة..
المهم أن كلية العلوم كانت إحدى الخيارات المطروحة أمامي، لكني نُصِحتُ بعدم ارتيادها لأن خريجيها لا يحصلون على عمل بسهولة في دولة لا تقدِّر البحث العلمي.. "ولكني أعشق البحث العلمي؛ لذا سألتحق بكلية العلوم، وأتخصص في علم الحيوان الذي أحبه كحبي للرسم، حتى لو لم يكن له مكان في سوق العمل".. كان هذا التفكير العاطفي - الناتج عن الإحباط - هو الغالب عليَّ في تلك الأثناء.. لقد ضاعت مني فرصة دراسة الفنون، فلأدرس إذن ما أحب.. وهو طبعا تفكير غير سليم لا أنصح به طلاب الثانوية العامة لعدم واقعيته، وأنصحهم باستشارة من هم أكثر خبرة..
وظللت في حيرة شديدة لعدة أيام، هل أستمع إلى صوت العقل وألتحق بكلية عملية مثل الزراعة (رغم أني أكره دراسة علم النبات)، أم أستمع إلى صوت العاطفة وألتحق بكلية العلوم لدراسة علم الحيوان الذي أحبه مثل الفنون (رغم سمعته السيئة للغاية في سوق العمل)..؟!!!
كانت الكفتان متساويتان بداخلي، وليس لدي ما يرجح إحداهما على الأخرى... حتى حدث ذلك الحدث الصغير؛ الذي وجه مسار حياتي فيما يشبه تأثير الفراشة..!
كنت في زيارة لصديق، فوقعت عيناي على كتاب في مكتبته (ومشهد أي مكتبة له قوة المغناطيس على عيني!).. جذبني موضوع الكتاب إضافة إلى إخراجه المتميز، وصوره المبدعة، كان عن رحلة عالِم الحيوان (تشارلز داروين) حول العالم التي دامت خمس سنوات على متن السفينة (بيجل)، وعن منهجه في البحث العلمي وتدوينه للملاحظات العلمية حول الأحياء المتنوعة التي أدت إلى وضعه لنظرية التطور ومبدأ الانتخاب الطبيعي حول نشأة الإنسان.
كان أسلوب الكتاب ممتع جدا؛ فطَرَقَ على الجانب العاطفي لدي ورجحه بكل قوة؛ فقررت أن أسلك طريق البحث العلمي الذي أعشقه؛ لأكتشف الجديد والجديد مما استغلق علينا في عالم الحيوان، وهو ما كنتُ أتصور - بكل سذاجة - أن كلية العلوم ستوفره لي...!!!!

والتحقتُ بكلية العلوم وعيني مركزة منذ البداية على قسم الأحياء Biology الذي يمكنني التخصص من خلاله في دراسة علم الحيوان Zoology..
ولك أن تتصور مدى بُعد الهوة بين ما تصورته وتمنيته عن متعة البحث العلمي، وبين ما وجدتُه في عالم الواقع.. وهو ما سأتحدث عنه -بإذن الله في مرات لاحقة-..!!
واليوم - بعد كل تلك السنين - ما زلت أتساءل: ماذا لو لم تلمح عيناي ذلك الكتاب عند صديقي في ذلك اليوم؟ هل كنت سألتحق بكلية العلوم؟ وبالتالي هل كنت سأجد صعوبة في سوق العمل مما يجعلني أسافر للعمل في الخارج؟ وبالتالي هل كانت ستتغير طريقة اختياري لزوجتي؟ وماذا عن كل تلك الأحداث المتعاقبة والمتشعبة الناتجة عن علاقات الكلية والعمل والزواج..؟!!
... يالَتأثير الفراشة الذي يدير الرأس!!!
* * * * *
هذه قصة الالتحاق بالكلية..
فماذا وجدتُ داخل ذلك الصرح المهيب..؟
وما سبب ظاهرة (الهروب الكبير) التي تحدث في الشهر الأول من الدراسة.. والتي تتميز بها كلية العلوم عن سائر الكليات...؟!!
بالتأكيد لهذا حديث آخر..
دمتم سالمين.





