ومضات(11)
"هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
______________
التعبد.. مع صديقتي (ولسون)..!!
كنت أركب سيارتي الحبيبة (1) عندما ذكَّرْتُ مرافقي - الشاب الصغير - بدعاء الركوب، قبل أن يسألني فجأة:
- لماذا ندعو بهذا الدعاء؟
أجبته مبتسما بدهشة:
- لأنه من السنن الصحيحة التي وردت عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-!!
اكتشف أنه لم يعبر بدقة عما يريده؛ فأعاد سؤاله بطريقة أخرى:
- أقصد ما فائدته؟
ابتسمت ثانية وأنا أقول:
- تقصد ما الفضل المترتب عليه؟
ولم أنتظر إجابته، بل أردفت معتقدا أني فهمت مقصده:
- في الحقيقة لم أقرأ في السنة فضلا أو أجرا يترتب عليه، لكن على الأقل هناك أجر اتباع السنة..
ظل يرقبني صامتا، مما أعطاني انطباعا بأن شيئا ما ليس على ما يرام؛ فأتبعت موضحا:
- إن الأصل في تعاملنا مع أوامر شرعنا هو الطاعة والاتباع.. بغض النظر عن الحكمة أو الفائدة أو الأجر المترتب على هذه الطاعة.. فإذا أوضح لنا الله ورسوله الحِكمَة من الحُكم الشرعي، أو كشف لنا العلم الحديث فائدة ما من اتباع هذا الحُكم فبها ونعمت، وهو مما يزيدنا إيمانا ويقينا بحب الله لنا وبفضله علينا.. ومن ثم فإن امتناعنا - مثلا - عن أكل لحم الخنزير أو عن شرب الخمر يجب أن يكون بسبب النهي الشرعي عن ذلك، وليس من أجل أضرارهما الصحية التي كشفها الطب الحديث...!
بدا بعض الارتياح على ملامحه، إلا أن عينيه كانتا تحملان سؤالا أخيرا.. كنتُ أعرفه لأنه تبادر إلــيَّ أيضا منذ زمن بعيد:
- أنت تريد أن تسأل: هل قول هذا الدعاء يقي من الحوادث؟
أومأ برأسه إيجابا، فقلتُ له:
- لا.. هو ليس حجابا ضد الحوادث إن كنتَ تظن ذلك.. لكن يكفيك -كما أخبرتك- اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-..
كنا في هذه اللحظة قد وصلنا إلى وجهته، فترجل من السيارة، لأنطلق بها وقد أضاء حوارنا - الذي كان من طرف واحد تقريبا - هذه الومضة الجديدة بداخلي...
* * * * *
راح عقلي يدور هنا وهناك متأملا في ذلك الدعاء.. أخذت أسترجعه وأردده بلساني محاولا التوقف عن كل لفظ فيه...
وكالعادة.. اكتشفت أننا نلهث.. طوال اليوم نلهث.. مشاغل الحياة تدفعنا إلى ذلك.. ولو أننا سمحنا لأنفسنا بالتوقف للحظات -فقط لحظات يوميا!- نقوم خلالها بالعبادة المنسية... عبادة التفكر (أو ما نسميه: التأمل)، لتكشَّفت لنا الكثير والكثير من الأمور..!!
ورحتُ أتأمل من جديد قولَه تعالى: "لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ" [الزخرف: 13].. وأنا أسترجع سؤال محدثي: ما فائدة هذا الدعاء؟!
نعم اتفقنا أنه - بلا شك - ذا فائدة.. لكن ما هي؟!
وكم من فوائد تجلت لي بعد هذه اللحظات...
عندما أردد هذا الدعاء.. فأنا - قبل كل شيء - أرطب لساني بذكر الله..
عندما أردد هذه الكلمات أربط أحداث يومي باستمرار بالله - عز وجل -؛ فأستشعر مَعِـــيَّـــتَــه الدائمة لي ولا أنساه في زحام الحياة..
عندما أرددها أُرجع الحول والقوة له وحده - جل شأنه-؛ فلا أغتر عندما أجدني قادرا على تحريك طِـــنَّـــين من الحديد بضغطة قدم بسيطة...!!
وكم من غرور قد يركبنا -نحن البشر- من جراء ذلك، خاصة بعد أن انتقلنا من إخضاع الخيل والبغال والحمير إلى إخضاع السفن والسيارات والطائرات حتى وصلنا إلى تسيير مركبات الفضاء إلى الكواكب البعيدة..!!!
لهذا - تجدني تحت تأثير تلك اللحظات العميقة من التأمل بل سحرها - قد توقفت إلى جانب الطريق، وترجلت بدوري من السيارة، ثم رحتُ أدور حول صديقتي العزيزة وأنا أمسح برفق على جسمها المعدني، وأتلمس إطاراتها السميكة، ثم فتحت غطاءها الأمامي، وأخذت أتفحص الكم الهائل من التروس والقوائم والاسطوانات التي يتكون منها محركها (وكأنني أراه لأول مرة!)...
وأخذت أناجيها...
يا لكِ من كائن معقد.. بل شديد التعقيد.. كيف سخركِ الله لي؟!
يا لهذه القدرة العجيبة التي منحها الله -عز وجل- للعقل البشري ليُخضع عملاقا معدنيا مثلك!!
ثم عندما تمعنتُ تحديدا في قوله تعالى: "الذي سخر لنا هذا".. عدتُ أتساءل:
هل ما سُخِّرَ لنا هو فقط هذا الحديد...؟
لا أظن.. لأننا قبل أن نقدر على تسيير هذا الحديد لا بد لنا أولا أن نتعامل مع عشرات - بل مئات - من قوانين الطبيعة ونسخرها لاحتياجاتنا...
قوانين الاحتكاك..
والقصور الذاتي..
والجاذبية..
والطرد المركزي..
وتحولات الطاقة..
بالإضافة إلى قوانين الضغط والحرارة والحجم..
وقوانين السوائل..
ونقل الحركة..
وقوانين الكهرباء..
وقوانين القوة والعزم...!!!
* * * * *
هل جننتُ..؟!
لا.. بل هي لحظة نادرة من الصفاء النفسي الذي يجعلك تتوحد مع مخلوقات الكون من حولك.. الحي منها والجماد على السواء..!
حتى لتكاد ترى خضوعها وتسمع أصوات تسبيحها لخالقها لا بأذنيك.. بل بقلبك الذي صَدَّقَ قول ربه: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" [الإسراء:44]..!
ونصيحتي لك.. إذا مَـــنَّ الله عليك بمثله هذه اللحظات فاقتنصها ولا تفلتها.. فقد تعادل - إن أثمرت وَجَلا في قلبك - عبادة يوم كامل.. أو أيام!!!
والله تعالى أعلى وأعلم..!
___________
(1) الآن تعرفون لماذا سميتها (ولسون)!







