الجمعة، يونيو 17، 2011

36 بحب..(3): معشوقتي الدائمة..! (الجزء الأول)


معشوقتي الدائمة..!
(الجزء الأول)

لو أنكم تذكرون فإن الهدف من هذه السلسلة [مثلما عرضتُ في العنوان الثاني من هذا الرابــــــــــطهو أن أتحدث فيها عن الأشياء التي أحبها في الحياة؛ لأن هذا حري بأن يضع النفس في جو خاص من الراحة والبهجة في مقابل الأحداث الجسام التي تحيط بنا وتخترق أفكارنا ومشاعرنا كل يوم بل كل ساعة...!


واليوم أحدثكم عن معشوقتي التي لا أعرف - صدقا - كيف صارت كذلك..!!!
عندما أعود بالذاكرة إلى الوراء وأسترجع تلك الليلة القاتمة العصيبة أدهش بشدة من أنها كانت ليلة التحول المفاجئة لمشاعري تجاه معشوقتي من الضد إلى الضد...!!!!
كانت ليلة من تلك الليالي التي يعرفها كل طالب ينتظر امتحانا في الصباح التالي لمادة لم يتعرف عليها من قبل ولا يفقه منها كلمة واحدة..!
هل تعرف مشاعر ذلك الطالب؟ هل مررت بهذه التجربة المروعة يوما؟ لو كنتَ كذلك فقد وفرت علي سطورا من الوصف لمشاعر لا أريد استرجاعها بعد هذا الزمن الطويل...!!!
عشت تلك الليلة وأنا في الصف الثاني المتوسط(1).. وكانت هذه المادة هي (اللغة العربية).. وبدأت الكارثة - أو للدقة الانتباه إليها - عندما راحت والدتي تراجع معي معلوماتي في (النحو) الذي سيشكل جزءا كبيرا من الامتحان غدا.. فإذا بها تجد أمامها تمثالا مجسما للجهل الأقرب للبلاهة؛ إذ لا يعرف أصلا ما المقصود بـ(النحو)..!!!!
بالطبع دُهِشت بشدة هي وأخي الذي يكبرني بسنوات أربع.. وظلا يسألاني لمدة 10 دقائق أسئلة متنوعة في (النحو) ليتأكدا بعدها من أن الكارثة حقيقية.. أي أنني فعلا لا أدعي البلاهة..!!

وهنا بدأ أخي - في مبادرة لن أنساها له - في تهدئتي، وأخذ يشرح لي بهدوء (كورسا) مكثفا في النحو بداية بالتمييز بين (الاسم) و(الفعل) و(الحرف)، مرورا بأنواع الجمل وأنواع الأفعال، والأفعال الناسخة (كان وأخواتها) والحروف الناسخة (إن وأهواتها).. وانتهاء بطريقة الإعراب الصحيحة لجميع مكونات الجملة - اسمية كانت أو فعلية - من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول..!!!
ولم تنتهي الليلة حتى صرتُ إنسانا آخر -إن جاز التعبير-.. إنسانا يعرف أهم مفردات (النحو).. إنسانا يفهم (النحو).. والأهم من ذلك.. إنسانا يعشق (النحو)..!!
وبما أن (النحو) هو الباب الصعب الذي يمنع الكثيرين من الولوج إلى عالم (اللغة العربية)، بل يخيفهم منها.. فما إن انفتح لي هذا الباب حتى دخلت إلى ذلك العالم الممتع أشد الإمتاع.. عالم (اللغة العربية)..!!

أي عصا سحرية كان يمسك بها أخي ليربِّتَ بها على صدري فأصبح ذلك العاشق الولهان للغتنا الحبيبة..؟!
صدقا لا أدري..!!
لكن كل ما أعلمه أنني منذ ذلك اليوم صرتُ متيما بها.. بـ(اللغة العربية)..!!!
ومع الأيام رحت أعب عبا وألتهم التهاما أي دراسة أو بحث أو مقال يدور عنها أو في فلكها.. وبشكل خاص كل ما يدور عن علم (النحو)..
وعندما صرت في الصف الثالث الإعدادي كم كانت فرحتي غامرة عندما علمت أن في الدنيا علما يسمى علم (الصرف).. وتضاعفت سعادتي عندما تعرفت في الصف الأول الثانوي على علم رائع آخر يسمى (البلاغة)... حقا لم أكن أعلم أن الحياة تحوي أشياء مبهجة لهذه الدرجة...!!!!   

ولكن يبدو أن سحر تلك الليلة لم يصبني كاملا (!!)؛ فلم أستطع أبدا أن أحب الشعر أو الخواطر الأقرب في نظمها إلى الشعر.. وطالما بحثتُ عن السبب في حيرة.. لكن أقرب الإجابات إلى ذهني أنني لا أحب الغموض.. وللأسف معظم ما أقرؤه من شعر أو خواطر يلفه الغموض.. فلم أتذوق يوما إلا شعرا ذا أفكار جلية ومفردات واضحة.. وربما لهذا السبب أحببتُ أشعار القرضاوي والعشماوي وهاشم الرفاعي ومطر...!!

* * * * * 

وتعددت مظاهر حبي المفرط لـ(الغة العربية).. حيث اهتممت بتحسين خطي - باستخدام كتب خاصة - إلى أن صار معروفا لدى المدرسين على مستوى المدرسة.. وطوال المرحلتين الإعدادية والثانوية كانت درجتي في مادة (الإملاء) و(النحو) هي النهائية دائما، وحتى مادة (التعبير) فكنت كثيرا ما أحصِّل فيها الدرجة النهائية...!!    
هذا فضلا عن اتفاقي مع اثنين من رفاقي - ممن يشاركونني حب العربية - على أن نتحدث فيما بيننا بالفصحى فقط، تدعيما لإتقانها والتعود عليها... طبعا فقط بيننا، وإلا فلن نسلم من سخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين..!!!  :)

* * * * *

ثم فيما بين نهاية المرحلة الإعدادية وبداية المرحلة الثانوية حدثت ثلاثة أحداث ساعدت على مزيد من إتقاني لـ(اللغة العربية)، ومن ثم على مزيد من غرس حبها في قلبي:

أولها: بداية قراءتي المنتظمة للقرآن الكريم (عن طريق وِرْدٍ يومي ثابت)؛ فكان أن تعاملتُ مع أعظم نص يمكن أن تظهر من خلاله عبقرية وروعة وعذوبة وغنى هذه اللغة.. وأضحى الأمر بمثابة معادلة ذات طرفين كل منهما يؤدي إلى الآخر.. حبي للعربية زادني فهما للقرآن ومن ثم حبا له وقربا منه.. وزيادة فهمي للقرآن زادتني توغلا في (اللغة العربية) واكتشافي آفاقا رحبة جديدة في عالمها الرائع الفسيح.. وهكذا باستمرار.. كلما ارتفع مقدار طرف ارتفع مقدار الطرف الآخر تلقائيا..!

وثانيها: قراءتي في وقت قياسي لكتاب (النحو والصرف) الذي يشمل قواعد النحو جميعها، والذي استلمناه في بداية المرحلة الثانوية للقراءة الحرة، مما دعم عندي تذوق القرآن وفهم الكثير مما استغلق عليّ من تراكيبه، وهو ما أدى - بالتالي - إلى مزيد من الارتباط بـ(اللغة العربية).

أما ثالثها: فكانت نصيحة قدمها أحد مدرسي (اللغة العربية) في لقاء إذاعي مدرسي معه عندما سئل عن أفضل الوسائل التي تزيد الثروة اللغوية لدى الطلاب.. حيث أخبر أن السبيل إلى ذلك أن يهتم الطالب بجمع مرادفات مختلفة للكلمة الواحدة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. وأذكر يومها أن بهرتني الفكرة وجذبت انتباهي بشدة (أليست طريقة جديدة للتودد إلى معشوقتي؟).. 
وفي نفس اليوم بدأت أدون في الغلاف الداخلي لكتاب النصوص الكلمات التي أعرف لها أكثر من مرادف، وكنت أظن أنني سأستغرق وقتا طويلا لأملأ ذلك الغلاف، لكن لم تمر أيام معدودات إلا وقد امتلأ الغلاف عن آخره، فانتقلتُ إلى دفتر خاص(2).. ثم تطور الأمر إلى هواية أكثر متعة ضاعفت سريعا فهمي لألفاظ القرآن الكريم، وهي التعرف على الفرق الدقيق بين كل مترادفين؛ فمثلا: الفرق بين كلمتيْ (جلس) و(قعد) أن الأولى تكون من وقوف والثانية من اتكاء.. والفرق بين كلمتي (جاء) و(أتى) أن الأولى تكون للمحسوسات والثانية للمعنويات [فتجد في القرآن: "وجاء رجل من أقصى المدينة"، "أتى أمر الله"].. وهكذا..!(3)

* * * * * 

الحديث لم ينتهِ بعد.. ففي (الجزء الثاني) سأتطرق من وجهة نظري - إن شاء الله - للآتي:
* قاموس (روش طحن) ومدى علاقته بلغتنا الحبيبة وتأثيره عليها إن كان له تأثير.
* هل حقا (اللغة العربية) في خطر داهم كما يردد العديد من الباحثين؟ وهل هي فعلا مهددة بالانقراض كما يزعم آخرون؟ 
* أيهما أفضل للداعية أو الأديب: التحدث أو الكتابة بـ(اللغة العربية الفصحى) أم بـ(اللهجة العامية)؟

دمتم سالمين محبين للغتنا الرائعة.
___________
(1) يوازي في نظام التعليم المصري الصف السادس الابتدائي. 
(2) كم أتصور سعادة ذلك المدرس - إن كان على قيد الحياة - لو علم أن هناك مِن تلاميذه مَن أخذ بهذه النصيحة وما زال يعمل بها منذ أكثر من ربع قرن من الزمان..! فجزاه الله عني خير الجزاء.  
(3) ظللت سنين أجمع مثل تلك الفروقات دون أن أجد كتابا خاصا يجمعها، حتى منَّ الله عليّ بمعرفة الدكتور/ فاضل السامرائي عن طريق التلفاز.. وهو عبقرية لغوية في هذا الشأن، أنصح كل من يهتم بالفهم العميق للقرآن أن يقرأ تراث هذا الرجل ويتابع برامجه. 

الجمعة، يونيو 10، 2011

40 من قصصي(6): ثانيتان...!! (قصة قصيرة)

ثانيتان..!!
(قصة قصيرة)



أن ترى شريط حياتك بأسره أمام عينيك في ومضات خاطفة عند تعرضك لموت محقق.. هذا طبيعي ومنطقي، ويروي عنه الكثيرون - طبعا - ممن نجوا من مثل هذا الموت المحقق..!!!
لكن غير الطبيعي أن ترى أنتَ شريط حياة شخص آخر - في تلك الومضات الخاطفة - عند دنو ذلك الأخير من موت محقق!!!
هذا ما حدث لي.. وهذا ما سأسرده الآن...

* * * * *  

هنا في الكويت تنتشر جسور المشاة فوق الطرق السريعة Highways ؛ ذلك أن السيارات تنطلق على تلك الطرق بسرعات فائقة لا تعطي الفرصة في عبور آمن لمن أراد قطعها على قدميه..!
وفي تلك اللحظات الحاسمة - التي تشكل قصتي - كنتُ أنطلق بسيارتي على أحد تلك الطرق السريعة، عندما لمحتُ عبر المرآة الوسطى تلك السيارة الرياضية التي راح صاحبها يومض لي بمصباحي سيارته ومضات سريعة خاطفة للتنحي من أمامه.. ورغم سرعتي الكبيرة إلا أنني شعرت أنني أزحف بالنسبة للسرعة المرعبة التي مرقت بها سيارته بجواري، وفي جزء من الثانية لمحت صاحبها.. ولم يخب توقعي.. كان أحد الشباب المتحمسين كالعادة..!
ثم رجعت ببصري إلى الأمام ليفاجئني المشهد الذي أثار ذعري وجعل قلبي يقفز إلى حلقي...!
إنها تلك الخادمة.. خادمة هندية هي كما تنطق ملامحها ويشي طراز ملابسها.. جرّها حظها العاثر وفهمها المحدود إلى عبور الطريق في تلك اللحظة بالذات..!!
كانت على بعد 100 متر تقريبا.. وسيارة جاري تسبقني نحوها بسرعة 160كم/ساعة على أقل تقدير.. وبحسبة سريعة - مما درسناه في المرحلة الثانوية - كان الزمن الباقي على وصوله إليها ثانيتين..
فقط ثانيتان..!!!
لذا رحت أصرخ في أعماقي بذعر لا حدود له: استر يا رب.. استر يا رب.!!
لم يكن لدي أدنى شك في اصطدامه بها..
وقفز - بعين الخيال - المشهد المروع أمام ناظري..
مشهد الجسد الهزيل وهو يصطدم بالوحش المعدني الذي لا يرحم.. ثم يقفز في الهواء عاليا وبعيدا قبل أن يسقط أرضا بكل قسوة خاليا من الحياة والدماء تتناثر حوله..!!! 
وهنا حدث شيء عجيب.. لم تمر الثانيتان كما تمر بقية الثواني في حياتي...!
بدا لي الزمن بطيئا بطيئا.. وكأنه يمهلني ما يكفي لأتالم وأتحسر قبل أن تقع الفاجعة...
أتألم للمصير المخيف لتلك المسكينة..!
وأتحسر على ضياع حياتها بسبب لحظة غباء..!
وبلا مبالغة مرت حياة تلك البائسة أمام عيني.. فقط في الثانيتين الباقيتين قبل نهاية حياتها....

* * * * * 

0.2 من الثانية:

تجلسين يا (شاندرا) مع زوجك أمام منزلكما الضيق أرجاؤه بعد يوم طويل مرهق من العمل في حقلكما الصغير.. ذلك الحقل الذي لا يكاد محصوله الشحيح يغنيكم من فقر ولا يسمنكم من جوع.. فما بالك برفاهيات الملبس والعلاج والتعليم.. 
في ضوء القمر الشاحب كوجهيكما تتهامسان كالمعتاد بشأن أحوال حياتكما البائسة، ومستقبل الصغار الخمسة الذين يرقدون متلاصقين في إحدى غرفتي البيت الوحيدتين..!

0.4 من الثانية:

البؤس هو عنوان حياتك.. الظلام هو مستقبل أبنائك.. هذا ما تؤمنين به يا (شاندرا).. ولولا غريزة الأمومة الغامرة لديك وخوفك الشديد على القطط النائمة في الداخل لفكرتي ألف مرة يوميا في إنهاء حياتك الكئيبة..!

0.6 من الثانية: 

اليوم هو يوم سعدك يا (شاندرا).. بل هو أول ابتسامة تمنحك الحياة إياها بعد سنين طويلة من العبوس..
فاليوم زاركما ذلك الشاب من القرية المجاورة الذي يحمل في ذيله الخير دائما.. والذي يتمنى الجميع زيارته ليل نهار..
إنه - كما تعرفين - يعمل مندوبا لدى أحد مكاتب تسفير العمالة إلى دول الخليج.. إلى دول النفط.. إلى الحياة الرغدة والخير الوفير كما يقولون..! 
هل نسيتي ذلك الطلب الذي تقدم به زوجك منذ شهور لدى ذلك المكتب؟ 
    
0.8 من الثانية:

نعم.. هو ما تمنيتيه يا (شاندرا).. لقد صار الحلم حقيقة.. ولكنه تحقق على غير ما توقعتي.. المطلوب للسفر خادمة لا خادم..!
وصار لزاما عليكِ اتخاذ القرار الصعب.. القرار الثقيل على النفس..
ستتركين هؤلاء المساكين لأبيهم الذي امتلأ جسده بالعلل ولا يكاد يقدر على العناية بنفسه..!
لكن لا خيار هنالك.. ستتركينهم من أجلهم.. ستحرمينهم دفأك أملا في توفير حياة كريمة ترفعهم لمصاف البشر..!

ثانية واحدة:

ما أشد ألمك يا (شاندرا) وأنتِ تودعين زوجك الذي يبتسم لك مشجعا ومطمئنا إياكِ على أبنائك.. لكنها ابتسامة مرتجفة بطعم الدموع..!
ما أشد تمزقك وأنت تودعين صغارك بنظراتهم الحيرى التي لا تعي المستقبل.. لكنها تخشاه كالموت..!
إنك ستختفين من هذا البيت.. من هذه الأسرة.. من هذه الحياة.. لا بد إذن أنها نهاية الكون.. هذا ما شعروا به وهم يرمقون نظراتك الباكية عبر زجاج السيارة التي تبتعد مثيرة غبارا كثيفا وراءها.. نفس الغبار الذي يغلف حياتكم الآن..!!
    
1.2 ثانية:

تخرجين من مطار الكويت الدولي في تلك الحافلة التابعة لمكتب التخديم الذي استقدمك.. والتي تعج بـ(شاندرات) أخريات بائسات..
البعض يتطلعن بانبهار عبر الزجاج إلى الشوارع الواسعة النظيفة والمنازل الكبيرة الأنيقة.. لا بد أن هذا عالم رائع جديد ينتظرهن..!
والبعض الآخر يجلسن - مثلك - غافلات عن كل ذلك بالخوف من القادم.. مهما كان يبدو سعيدا، إلا أنه مجهول.. والمجهول غالبا مخيف..!

1.4 ثانية:

الآن مر يومان كاملان على وصولك يا (شاندرا).. إلا أنك ما زلت تجلسين في صمت على أحد مقاعد مكتب التخديم.. تتجرعين في كل ساعة مرارة المهانة وألم الدونية.. شعور الأَمَة التي تباع في سوق النخاسة.. أنتِ لم تجربيه، لكن لا بد أنه كذلك..!
من ساعة إلى أخرى يأتي أحد الزبائن لاختيار خادمة مناسبة لبيته.. ويتفحص فيكِ وفي رفيقاتك بتمعن، ثم لا يلبث - بعد نقاش ومداولة مع مدير المكتب - أن ينصرف بعد الاتفاق على بغيته..! 
متى يأتي سيدك لينهي تلك الساعات القميئة الكئيبة..؟!
فلتأملي أن يوقعك حظك مع أسرة طيبة رحيمة تعاملك كإنسان لا كشيء آخر..!

1.6 ثانية:

الآن يا (شاندرا) تخطين خطواتك الأولى إلى منزل مخدومك.. وها هي ذي زوجته تستقبلك بحفاوة مبشِّرة.. يبدو أن ما ثرثر به السائق - ابن وطنك - أثناء قدومك كان صحيحا.. هذه أسرة طيبة رحيمة كما تمنيتِ تماما.. لكن هل تبتسم الحياة ثانية بهذه السرعة؟ أنتِ لم تخبري منها سوى الوجه العابس.. لكن لم لا؟ 
فلتترقبي ما تأتي به الأيام...!

1.8 ثانية:

اليوم مر على وصولك بضعة أشهر.. ورغم طيبة مخدومَيْكِ إلا أنك تأنين ليلا من شقاء العمل المتواصل طوال النهار من جراء طلبات الأبناء المستمرة بلا توقف.. 
اصبري يا (شاندرا)؛ فعبء العمل يخففه المقابل المادي الذي ترسلينه كله تقريبا إلى أسرتك شهريا.. يخففه السعادة التي تبدو في أصواتهم كلما كلمتيهم عبر الهاتف...!
لكنك لا تجدين ما تخففين به مشاعر الحنين الجارفة إلى الأسرة والوطن التي تثقل روحك يوما بعد يوم..
صحيح أن هنا حياة رغدة.. لكن هناك الوطن..!      
صحيح أن هنا شارع نظيف ومسكن مريح.. لكن هناك الوطن..!
صحيح أن هنا طعام طيب وملبس نظيف ومال وفير.. لكن هناك الوطن..!

ثانيتان:

استعدي يا (شاندرا).. بقيت أيام معدودة وتتمي العام الأول في الغربة.. هذا يعني لكِ الكثير.. فحسب اتفاق العمل، سوف تسافرين إلى وطنك حيث الزوج والأبناء.. حيث الحياة التي لا تغني عنها أية حياة..!!
وها أنتِ ذي تعبرين الطريق في سعادة إلى حيث السوق لتشتري بعض الهدايا لأسرتك الحبيبة.. لكنك في غمرة أحلامك السعيدة غفلت عن واقعك؛ فاقترفتي أكبر خطأ في حياتك..!!
وها هي ذي سيارة تتجه نحوك بسرعة مخيفة لا يجدي معها أية محاولة للفرار..!
ربما لهذا أصاب الشلل قدميك وعجزت حنجرتك حتى عن الصراخ..!
وآخر سؤال سألتيه لنفسك: من سيذهب بالهدايا إلى أبنائي؟!!!!

* * * * *

انتهت الثانيتان.. والمفترض - وفقا لأي حسابات منطقية - أن تنتهي معهما حياة المرأة..!
لكن يبدو أن شللها المؤقت حمل لها النجاة.. فقد استطاع الشاب أن ينحرف عنها بسنتيمترات قليلة في حركة ماهرة لم أكن لأصدقها لولا معاينتها بنفسي..!
ومر السهم بجوارها دون أن يمسها.. ثم مررت أنا بجوارها وقد كان لدي من الوقت بطبيعة الحال لأتفاداها بسهولة..
لكن قلبي المرتجف لم يهدأ إلا بعد أن اطمأننت - عبر المرآة الوسطى في سيارتي - إلى أن المرأة عبرت الطريق سالمة من أي كارثة معدنية أخرى...!!
وردّدت في نفسي في راحة وشبه هذيان: الآن تعودين إليهم يا (شاندرا)...!

- تمت - 

الخميس، يونيو 09، 2011

32 ومضات(3): هل ترتدي بدلة الإعدام الحمراء... معـي؟!

ومضات.. "هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
________________

هل ترتدي بدلة الإعدام الحمراء... معـي؟!


نواميس الكون تسري على الجميع..
قوانين الحياة تنطبق على كل البشر..
الموت لا يحابي أحدا..
الصغار أيضا يموتون..

مُسَلَّمات نعرفها ونؤمن بها، ونمصمص بها شفاهنا من حين إلى آخر.. لكننا -أيضا- ننساها -أو نتناساها- أغلب الأوقات.. وإذا تذكرها أحدنا أو ذُكرت أمامه تجرعها مع مسكن الألم ومُؤَمِّن النفس الشهير المسمى: "هذا يحدث للآخرين فقط!"..
هذه القوانين تنطبق هناك.. على أي نقطة في محيط الدائرة.. لكنها لا تقع أبدا على مركز الدائرة.. الذي هو أنا!!

ومن وقت إلى آخر يترك الموت بحقائقه وتبعاته المخيفة محيط الدائرة ويقترب - فقط يقترب - من المركز.. هنا تظهر تلك المسلمات للعين بصورة أخرى.. وتسقط صخرة في مستنقع طول الأمل فترتجف مياهه وتهتز وتضطرب؛ فيكتشف كل منا اكتشافا جديدا عبقريا...

يكتشف أن نواميس الكون تسري على الجميع..
وأن قوانين الحياة تنطبق على كل البشر..
وأن الموت لا يحابي أحدا..
والصغار أيضا يموتون..!!!

إن مَثَلي - ومثل غيري من الغافلين - في التعامل مع الموت وحقائقه كَمَثَل من يتطلع بشفقة وتأثر إلى ذلك المحكوم عليه بالإعدام.. يا له من مسكين.. ما كل هذه القسوة؟ يُلبسونه تلك البدلة الحمراء المشئومة ويتركونه في زنزانته منفردا تتخطفه الأفكار السوداء ويخنقه انتظار اللحظة المريعة...
لحظة تغطية الرأس بالغطاء الأسود القميء..
لحظة وضع أنشوطة الإعدام حول الرقبة..
لحظة سحب المقبض والسقوط..
لحظة الانتقال من الشك إلى اليقين..
لحظة مقابلة الرب؛ حيث يتوقف العمل ويبدأ الحساب..!

وَيْحي وويح كل الغافلين إن كنا ننظر بهذه الشفقة إلى مرتدي البدلة الحمراء وننسى أنفسنا..!!
ألسنا مع الموت على موعد في كل لحظة..؟ أليست كل ثانية من عمرنا مُتَوَقَّعٌ أن تكون هي لحظة سحب المقبض والسقوط..؟
ألسنا أسوأ حالا من ذلك المحكوم عليه بالإعدام؟!
كيف لا وهو يُنذَر قبلها؟
كيف لا وهو يرتدي البدلة الحمراء قبلها؟
كيف لا وهو يُمنح وقتا للعودة وللتوبة قبلها؟

إن كان منا من لا يصدق ذلك.. لا يصدق أنه أسوأ حالا من المحكوم عليه بالإعدام.. فلا يلومَنَّ إلا نفسه..!!
فهل وَعَدَك أحدٌ يوما بأنك خالد أبد الدهر..؟! وهل وعدك أحد يوما بأنك ستُعْلَم بموعد موتك قبلها..؟!
بل على العكس.. فالمولى - عز وجل- ينبهنا إلى أن نفسًا لن تعلمَ أبدا في أي وقت يأتيها اليقين.. (واليقين في اللفظ القرآني جاء بمعنى الموت).. ينبهنا سبحانه لذلك في كل وقت وحين عبر كتابه المقروء (القرآن الكريم) وعبر كتابه المنظور (الكون المحيط وأحداث الحياة)..
إذن لا يظلم ربك أحدا.. ولكن من رحمته بنا أنه لا يُعَرِّضُنا لتلك التجربة القاسية.. تجربة وضعنا وجها لوجه مع الموت في كل لحظة كالمحكوم عليه بالإعدام!! فقط يترك أمامنا الحقائق واضحة في كتابه العزيز المتاح للجميع.. ويرسل إلينا رسائل من خلال حياتنا اليومية من وقت إلى آخر.. علنا ننتبه من غفلتنا..

فهلا انتبهنا - إخواني الأعزاء- إلى تلك الحقيقة المخيفة..؟ حقيقة أن كلا منا يرتدي بدلة إعدامه الحمراء منذ وُلد ولكنه لا يراها! وأنه يمشي بها بين الناس ويسيح بها في الأرض حتى تأتي.. لحظة اليقين!
هلا راجع كل منا نفسه المقصرة ليرى مدى استعدادها لمقابلة المولى - عز وجل- في يوم عظيم محشور له الناس أجمعين.. يوم لا ينفع مال ولا بنون.. إلا من أتى الله بقلب سليم؟
أدعو الله - عز وجل- ألا يتخطفني الموت على غفلة مني قبل أن أستعد للقائه..! وأن يخرجني -وإياكم- من زمرة اللاهين الغافلين.. اللهم آمين.....
وها أنا ذا اليوم تومض هذه الومضة بداخلي عندما استيقظتُ على إحدى حقائق الحياة القاسية والمسلمات التي أنساها.. لقد ترك الموت محيط دائرتي واقترب قليلا من المركز؛ فقد جاءني خبر وفاة تلميذ من تلاميذي..!

الثلاثاء، يونيو 07، 2011

32 ومضات(8): أصعب ابتسامة..!


ومضات.. "هي خواطر تأتيني فجأة.. فكان لزاما علي اصطيادها وتدوينها.. قبل أن ترحل - أيضا - فجأة!"
____________

أصعب ابتسامة..!


عندما ترى أحلامك تفلت من بين يديك.. لكنك تبتسم.. فقط لتشعر أنك قادر على بنائها من جديد..!

عندما تكون التعيس الوحيد بين سعداء.. لكنك تبتسم.. فقط لئلا ترى الشفقة في عيونهم..!

عندما تكون في أضعف حالاتك.. لكنك تبتسم.. فقط ليرى من يستمدون منك قوتهم كم أنت عظيم..!

عندما توجعك ضربات عدوك.. لكنك تبتسم.. فقط لتحرمه لذة الانتصار..!

عندما تتوالى عليك الأحزان.. لكنك تبتسم.. فقط لتتذكر أن دوام الحال من المحال..!

عندما يهجرك من منحته قلبك.. لكنك تبتسم.. فقط لتريه أنك ما زلت تستطيع أن تعيش من دونه..!

* * * وأنت؟ حدثني - إن شئت - عن أصعب ابتساماتك * * *
__________________

هذه الكلمات من وحي موضوع جميل بنفس العنوان قرأته في إحدى المدونات.. لكني صغتُ العبارات التي تعبر عن دخائلي.

السبت، يونيو 04، 2011

34 عبارات هوليودية(16): لا شيء بلا ثمن..!


لا شيء بلا ثمن!


"إذا كنتَ جيدا في شيء فلا تفعله دون مقابل"
[الجوكر عندما سئل عن سبب طلبه مالا لقتل باتمان.. رغم أنه مستفيد من موته أيضا، في فيلم: Dark Knight]

ذكرتني هذه العبارة بموقف طريف يدل على إحدى ثقافاتنا العديدة التي نتميز بها ويفتقدها الغربيون، وهي ثقافة عدم تقدير الخبرات، ومن ثم عدم تقدير الجهود.. نتشارك في هذا مع حكوماتنا - التي هي بصورة أو بأخرى إفرازات لمجتمعاتها-..
فقليلا ما رأيتُ من لديه المقدرة على تقدير الثمن الحقيقي لعمل ما.. بل مما اكتشفته أن لَدَى الكثيرين منا قناعةً غريبةً بأن سرعة تأدية عملٍ ما ليست دليلا على مهارة الأداء، بل هي دليل على سهولة هذا العمل، وبالتالي انخفاض أجره..!!
والموقف الذي أشرتُ إليه يلخص ما أريد قوله..
كنتُ أقوم بتنفيذ تصميم فني معقد لإحدى العميلات، ولأنها كانت متعجلة، فقد جلَسَت أمامي وشاهدَت تنفيذ العمل بنفسها، وأثناء ذلك طلبت العديد من التعديلات، ولأنني -ولله الحمد- أحترف استخدام برنامج التصميم الأشهر Adobe Photoshop؛ فقد كنتُ أنفذ التعديلات المطلوبة بسرعة لم تتوقعها؛ مما كان يَلْقى اندهاشها واستحسانها أيضا..
لكن بعد الانتهاء من العمل، فوجئتُ بها تستنكر بشدة الأجرَ المطلوب معللة ذلك بعبارة بليغة:
"أنتَ لم تفعل شيئا سوى النقر بالماوس".. طبعا قالتها بلهجتها الكويتية: "كله طجطجة ماوس"!!!!
بالتأكيد أنا لا أملك أن أغير هذا المفهوم لدى الآخرين لمجرد أني أرغب في ذلك.. لكن ما أملكـه -وهو ما تعلمته من ذلك الموقف- ألا أسمح لعميل مطلقا بمشاهدتي أثناء العمل!!!

الخميس، أبريل 28، 2011

40 فلاش باك(11): !!..C'est la vie

"بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. Flashback"
______________


!!..C'est la vie




كانت هذه الذكرى منذ 20 عاما..


عندما مررتُ أسفل ذلك البيت القديم.. تطلعتُ إلى نافذته المشرعة وقد أطلَّت منها أضواء باهتة ممتزجة بصوت القارئ - جهوري الصوت - وهو يتلو آيات من القرآن الكريم.. تلك عادة ترتبط عند الكثيرين في مجتمعنا بمثل هذه المناسبة فقط.. مناسبة الموت..!

هذا الجو ملأ نفسي حزنا عميقا وكآبة شديدة؛ فقد كنتُ أعرف خلفية الحدث كغيري من أبناء المنطقة...

لقد فقد هذا البيت رب أسرته، ذلك المعلم كبير السن الذي خرج من تحت يديه أجيال وأجيال تمدح أخلاقه يوما بعد يوم.. فَـقْـدُ مثل هذا الرجل كفيلٌ بإصابة الجميع بالحزن العميق..

لكن طريقة فَقدِهِ كانت كفيلة بإصابتنا بصدمة أتبعتها كآبة..

أصيب الرجل في أعوامه الأخيرة بمرض (ألزهايمر) (1).. 

ورغم حرصهم على رعايته، إلا أنه خرج يوما في غفلة منهم.. واختفى تماما.. وظل الجميع يبحث عنه بجزع خشية أن يصاب بسوء مع حالته المَرَضية تلك.. ومع كل يوم يمر على اختفائه كان الخوف من إصابته بسوء تتعاظم.. حتى جاء اليوم الموعود ليُكتشف المسكين غريقا في تِرعة مدينتنا(2)...!!!



ومن شدة ما أصابني من كآبة وحزن.. قلتُ يومها في نفسي - حديثة العهد بدروس الدنيا وحِكم الدهر -: "هذا البيت لن يرى السعادة يوما بعد ذلك...!" 


* * * * *


كانت هذه الذكرى منذ 19 عاما..

كان اليوم قد مر عامٌ كاملٌ بالتمام والكمال (عرفتُ ذلك لارتباط الحدث بمناسبة وطنية) عندما مررتُ تحت نفس البيت القديم.. وتحت نفس النافذة..

لكن - لدهشتي البالغة - كانت الزينة تغطي البيت.. والأضواء الملونة تحيط بالنافذة التي تتصاعد منها - هذه المرة - أصوات الأغاني الممتزجة بالزغاريد وصخب الأطفال مع ضحكات الكبار ...!!!

لم أكن أعرف المناسبة.. هل هي يوم ميلاد أم حفل زفاف..!

لكني - يقينا - تعلمتُ درسا جديدا في هذه الحياة...!!!

* * * * *

دعكَ مما تعلمتُه أنا.. وأخبرني: ماذا وصلك أنت من هذين المشهدين؟!!!

_____________

(1) الخرف الشيخوخى أو Alzheimer (تيمنا بالطبيب النفسى "ألويس ألزهايمر" الذي وصف المرض وشخصه في عام 1906م): مرض شائع من أمراض الشيخوخة.. عوارضه تختلف من فرد إلى آخر، إلا أن له أعراضا مشتركة، أهمها صعوبة تذكر الحقائق التي تعلمها المريض حديثا.. وبتطور المرض، تشتمل الأعراض على التشوش، والتقلبات المزاجية، وانهيار اللغة، وفقد الذاكرة على المدى الطويل..!

(2) (لغير المصريين) الترعة: مجرى مائي صغير نسبيا متفرع من النيل أو موازٍ له.

الثلاثاء، أبريل 26، 2011

36 عبارات هوليودية(15): متى تصعب الرؤية؟


متى تصعب الرؤية؟



"العقل كهذه المياه؛ حين تضطرب تصبح الرؤية صعبة، ولكن إذا تركتها تستقر تصبح الإجابة واضحة"
[المعلم أوغواي في فيلم: Kung Fu Banda]

استدعت هذه العبارة الهوليودية خبراتي مع الغضب..

القريبون مني يعرفون أنني من النوع سريع الاشتعال إزاء الإهانة من الآخرين، فقط عندما يتأكد لي يقينا أنها بقصد وسوء نية أو أن فيها اتهاما لي على ما لم أصرح به من نواياي..!!
ولهذا لك أن تتصور كم من مرة جربتُ تلك الخبرة المروعة...
خبرة الغضب عندما يُلقى كصخرة في مياهٍ بحيرة ساكنة هادئة؛ فيُحيلُ سكونها اضطرابا وهدوءها صخبا..!
عندما يَذْهَل العقل عن التفكير الموضوعي الموزون؛ فتتوارد عليه أشد الأفكار جنونا متحررة من معاقل الحقد والانتقام المدفونة في خبايا كل نفس..! 
ساعتها - صدقني - يكون اتخاذُ قرارٍ ضربا من الحماقة التي تصل إلى حد الخَرَق عندما يكون القرار مصيريا..!!
وأدركت يوما بعد يوم مغزى وأهمية تكرار النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تغضب.. لا تغضب!!".. 
ورغم أني لم أستطع التخلص من عادة سرعة الغضب الذميمة في تلك المواقف تحديدا.. لكن أجزم أني تعلمتُ مع الأيام ألا أتخذ قرارا ساعة غضب.. وهو ما أنقذني بالفعل من كوارثَ عديدة رأيتُ غيري يقع فيها بسبب الغضب...!!!

السبت، أبريل 23، 2011

54 من قصصي(4): وراء الباب المسحور..!


وراء الباب المسحور..!

"إهداء إلى المهندسة (جيهان منصور) التي كانت إحدى خواطرها عن طفولتها هي البذرة التي نبتت منها هذه القصة"



- ماما.. أين ذهب جدي بعد أن كان مريضا؟ لماذا لم يعد يزورنا؟!
سألت (مروة) الصغيرة أمها هذه السؤال بكل عفوية؛ فكفكفت أمها دمعة فرت من عينيها، وهي تبتسم مرغمة لوجه طفلتها الذي يشع براءة، قبل أن تجيبها:
- غدا عندما تكبرين تعرفين.
بالطبع لم تكن إجابة وافية، إلا أن (مروة) -كعادة الأطفال- انشغلت سريعا بدميتها، وبعد أقل من دقيقة، التفتت من جديد إلى أمها وهي تهدهد دميتها سائلة:
- ماما.. من أين جئتِ بي؟
لم تكن الأم قد خرجت بعد من الحالة النفسية التي وضعتها فيها ابنتها عندما ذَكَّرتها بوالدها المتوفى منذ أيام معدودة.. لذا لم يكن لديها الاستعداد النفسي في هذه اللحظة لمحاولة تبسيط مفاهيم الحياة لابنتها ذات السبعة أعوام؛ واكتفت بالإجابة السهلة:
- غدا عندما تكبرين تعرفين.
ومن جديد سرعان ما انشغلت (مروة) في فيلم الكرتون الذي بدأ لتوه... وإن ظل كلا السؤالين قابعان هناك في أعماقها، ينتظران الخروج ثانية في مناسبة أخرى.. هذا ديدن الأطفال..

كانت معظم أسئلة (مروة) من الطراز الذي إجابته: "غدا عندما تكبرين تعرفين"؛ وكان ما يشغلها حقا هو معنى تلك الإجابة، ففي كل مرة كانت تنام لتستيقظ في اليوم التالي الذي هو (غدا)، لتكتشف - ويا للعجب - أن شيئا مما قالته الأم لم يتحقق، فها هو (غدا) قد جاء، فلا هي كبرت، ولا هي عرفت!!!
أما عن أسئلتها تلك، فكانت لـ(مروة) وسيلتها الخاصة للإجابة عنها..

إنه "الباب المسحور"..
ذلك الباب القديم المتهالك ذي المصراعين الذي يقبع أسفل أحد سلالم مدرستها.. كانت تلمحه في صعودها وهبوطها، وتظل عيناها متعلقتان به.. تتخيل خلفه حكايات وحكايات.. كانت تظنه يقود إلى دهليز خفي - أسفل المدرسة - تسكنه الجنيات والأشباح والوحوش الأسطورية، وكل ما يمرح من كائنات في عقل طفلة صغيرة.. عقل صغير لكنه باتساع الكون ذاته؛ أليس الكون لا تحده حدود معلومة؟ وكذلك كانت أفكارها!!
أحيانا كانت تظنه يقود إلى عالم عجيب تتحدث فيه الحيوانات، وتأتي منه الإجابات على أسئلتها، لكنها إجابات على طريقتها، ما دامت إجابة أمها المكررة لم تسعف هذا العقل الذي لا يسكن، وتلك النفس التي لا تهدأ..!

فمثلا جاءها جدها يوما من وراء الباب المسحور وهو يرتدي جلبابه الأبيض الذي تعودت أن تراه به، وقال لها: "لقد سافرتُ إلى بلاد جميلة، وسأحضر إلى زيارتكم بعد أن أشتري لكِ أجمل الهدايا والألعاب".. فكانت هذه الإجابة مُرْضِية لها، وجعلتها تنتظر بكل شوق وسعادة عودة جدها ومعه كل ما تمنته من ألعاب لم تشتريها لها أمها!!
وفي يوم آخر رأت خلف الباب المسحور حدائق غناء مليئة بالأزهار والفراشات والعصافير وجداول المياه الشفافة الرقراقة، وتشع على كل ذلك شمس مشرقة لها وجه مبتسم (كما تراه في الكرتون).. وعلى العشب الأخضر الزاهي يقبع أطفال رُضَّع ملفوفين في أقمشة بيضاء ناصعة.. ومن حين لآخر تظهر في المشهد إحدى الأمهات لتتجول بين الأطفال، حتى تختار أحدهم فتحمله بين يديها وتقبله، ثم تنطلق به ليصير هو ابنها.. وبالطبع رأت نفسها عندما جاءت أمها والتقطتها..!!!

وتمر الأيام..
وفي كل مرة تسأل فيها (مروة) أحد أسئلتها التي "ستعرف إجابتها غدا عندما تكبر"، كانت في اليوم التالي تجد الإجابة جاهزة هناك.. وراء الباب المسحور..!
وبالرغم من ذلك ظلت تتساءل دوما: "متى يأتي (غدا) حتى تكبر، وحتى تعرف"؟!!


وظلت سنوات تحلم بما خلف الباب.. حتى جاء ذلك اليوم...
كانت تقف في أحد الأركان تحدق في الباب - متلقية منه إحدى إجاباتها - عندما اقترب عامل النظافة بالمدرسة من الباب، وفتحه على مصراعيه!!!
وانهارت فجأة أحلام سنين عدة دفعة واحدة.. لقد فوجئت خلفه ببعض الكراسي والطاولات المدرسية القديمة المكسورة وقد تراكمت فوق بعضها..!
واعتصر القلب الصغير لتنزل عصارته دموعا حارة على وجنتي صاحبته..
تمنت لحظتها أن تصرخ في العامل من بين دموعها: لماذا فتحته؟! لماذا لم تتركه مغلقا؟!

لقد زال السحر عن الباب بمجرد فتحه..!

لكن (مروة) لم تَخُض هذه التجربة المريرة بلا مكسب..

لقد عرفت إجابة سؤالها الذي كان يقض مضجعها..

عرفت أن (غدا) قد جاء، وأنها الآن كبرت...!

الاثنين، أبريل 18، 2011

48 مصطلحات شائعة(16): الدوجمائية


الدوجمائية Dogmatism



"الدوجمائية" تعريب لكلمة Dogmatism التي يعود أصلها لكلمة يونانية بمعنى "الرأي" أو "المعتقد الأوحد".
والمقصود بها اتجاه فكري يعبر عن التعصب لفكرة معينة دون قبول النقاش فيها، أي "الجمود الفكري"؛ لذا فـ"الدوجمائية" ليست مذهبا فلسفيا بقدر ما هي طريقة تفكير تتصف بها أي فرقة أو مذهب أو فلسفة تزعم امتلاك الحقيقة المطلقة بشكل شامل -دون الاستناد إلى براهين يقينية-، وأن معتقداتها لا تقبل النقاش ولا التغيير، حتى وإن تغيرت الظروف التاريخية، أو المكانية أو الاجتماعية المحيطة بها؛ وهي -بالتالي- لا تقبل أي نقد، بل تنكر الآخر وترفضه باعتباره على باطل مطلق!(1)
لذا فأي تطرف يصاحبه جمود في الفكر أو السياسة أو الدين أو حتى الفـن هو - من منظور الفلاسفة - فكر "دوجمائي".

ومن يحمل هذه النظرة - سواء على مستوى الأشخاص أو الفئات - يتسم بمجموعة من السمات؛ مثل: نفى الفكر المقابل -وربما تخوينه-، وعدم الرغبة في فتح قنوات للحوار أو البحث عن أرضية مشتركة مع الآخرين.

والعقلية "الدوجمائية" - سواء في الجانب الديني أو السياسي أو الفكري - موجودة في كل دول العالم؛ ومن أغرب الصور لهذه العقلية هو ما يظهر من كثير من العقول الغربية التي تتخذ موقفا معاديا من الحضارات الأخرى، وتزعم أن نموذجها الحضاري هو النموذج الأمثل للبشرية؛ بل وتعمل جاهدة على ترسيخ هذه الرؤية لدى الآخرين وعلى تعميم نموذجها من خلال "العولمة"، ومن ثم فهي تقف من الحضارات الأخرى موقف التعالي، إن لم يكن العداء ومحاولة إبادتها.

وفي نطاق الفلسفة نجد أن كثيرا من المدارس الفلسفية تمثل أفكارها نموذجا واضحا "للدوجمائية"؛ مثل فلسفات (أفلاطون) و(أرسطو) قديما، وفلسفات (ديكارت) و(باسكال) و(هيجل) و(ماركس) حديثا. وفي الشرق نجد كذلك "الدوجمائية" في أفكار ومعتقدات بعض التيارات المتعصبة في علم الكلام وأصول الدين قديما، وبعض التيارات السياسية حديثا.

وفي المقابل نرى أن كثيرا من علماء أصول الفقه الإسلامي يُظهر منهجهم في التفكير رفضهم "للدوجمائية" وتفهمهم النموذجي للرأي الآخر؛ مثل الإمام (الشافعي) الذي اشتهر بمقولته الذهبية: "رأيي صواب (أي الذي أعتقد صوابه) يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ (أي الذي أعتقد خطأه) يحتمل الصواب". 
______________
(1) من أشهر الأمثلة التاريخية على هذه الطريقة (أو هذا المنهج) في التفكير -التي كانت لها نتائج قاسية للغاية على المخالفين- ما تميز به رجال الكنيسة في تعاملهم مع علماء العلوم التجريبية في فترة ما قبل "الثورة الفرنسية".