معشوقتي الدائمة..!
(الجزء الأول)
لو أنكم تذكرون فإن الهدف من هذه السلسلة [مثلما عرضتُ في العنوان الثاني من هذا الرابــــــــــط] هو أن أتحدث فيها عن الأشياء التي أحبها في الحياة؛ لأن هذا حري بأن يضع النفس في جو خاص من الراحة والبهجة في مقابل الأحداث الجسام التي تحيط بنا وتخترق أفكارنا ومشاعرنا كل يوم بل كل ساعة...!
واليوم أحدثكم عن معشوقتي التي لا أعرف - صدقا - كيف صارت كذلك..!!!
عندما أعود بالذاكرة إلى الوراء وأسترجع تلك الليلة القاتمة العصيبة أدهش بشدة من أنها كانت ليلة التحول المفاجئة لمشاعري تجاه معشوقتي من الضد إلى الضد...!!!!
كانت ليلة من تلك الليالي التي يعرفها كل طالب ينتظر امتحانا في الصباح التالي لمادة لم يتعرف عليها من قبل ولا يفقه منها كلمة واحدة..!
هل تعرف مشاعر ذلك الطالب؟ هل مررت بهذه التجربة المروعة يوما؟ لو كنتَ كذلك فقد وفرت علي سطورا من الوصف لمشاعر لا أريد استرجاعها بعد هذا الزمن الطويل...!!!
عشت تلك الليلة وأنا في الصف الثاني المتوسط(1).. وكانت هذه المادة هي (اللغة العربية).. وبدأت الكارثة - أو للدقة الانتباه إليها - عندما راحت والدتي تراجع معي معلوماتي في (النحو) الذي سيشكل جزءا كبيرا من الامتحان غدا.. فإذا بها تجد أمامها تمثالا مجسما للجهل الأقرب للبلاهة؛ إذ لا يعرف أصلا ما المقصود بـ(النحو)..!!!!
بالطبع دُهِشت بشدة هي وأخي الذي يكبرني بسنوات أربع.. وظلا يسألاني لمدة 10 دقائق أسئلة متنوعة في (النحو) ليتأكدا بعدها من أن الكارثة حقيقية.. أي أنني فعلا لا أدعي البلاهة..!!
وهنا بدأ أخي - في مبادرة لن أنساها له - في تهدئتي، وأخذ يشرح لي بهدوء (كورسا) مكثفا في النحو بداية بالتمييز بين (الاسم) و(الفعل) و(الحرف)، مرورا بأنواع الجمل وأنواع الأفعال، والأفعال الناسخة (كان وأخواتها) والحروف الناسخة (إن وأهواتها).. وانتهاء بطريقة الإعراب الصحيحة لجميع مكونات الجملة - اسمية كانت أو فعلية - من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول..!!!
ولم تنتهي الليلة حتى صرتُ إنسانا آخر -إن جاز التعبير-.. إنسانا يعرف أهم مفردات (النحو).. إنسانا يفهم (النحو).. والأهم من ذلك.. إنسانا يعشق (النحو)..!!
وبما أن (النحو) هو الباب الصعب الذي يمنع الكثيرين من الولوج إلى عالم (اللغة العربية)، بل يخيفهم منها.. فما إن انفتح لي هذا الباب حتى دخلت إلى ذلك العالم الممتع أشد الإمتاع.. عالم (اللغة العربية)..!!
أي عصا سحرية كان يمسك بها أخي ليربِّتَ بها على صدري فأصبح ذلك العاشق الولهان للغتنا الحبيبة..؟!
صدقا لا أدري..!!
لكن كل ما أعلمه أنني منذ ذلك اليوم صرتُ متيما بها.. بـ(اللغة العربية)..!!!
ومع الأيام رحت أعب عبا وألتهم التهاما أي دراسة أو بحث أو مقال يدور عنها أو في فلكها.. وبشكل خاص كل ما يدور عن علم (النحو)..
وعندما صرت في الصف الثالث الإعدادي كم كانت فرحتي غامرة عندما علمت أن في الدنيا علما يسمى علم (الصرف).. وتضاعفت سعادتي عندما تعرفت في الصف الأول الثانوي على علم رائع آخر يسمى (البلاغة)... حقا لم أكن أعلم أن الحياة تحوي أشياء مبهجة لهذه الدرجة...!!!!
ولكن يبدو أن سحر تلك الليلة لم يصبني كاملا (!!)؛ فلم أستطع أبدا أن أحب الشعر أو الخواطر الأقرب في نظمها إلى الشعر.. وطالما بحثتُ عن السبب في حيرة.. لكن أقرب الإجابات إلى ذهني أنني لا أحب الغموض.. وللأسف معظم ما أقرؤه من شعر أو خواطر يلفه الغموض.. فلم أتذوق يوما إلا شعرا ذا أفكار جلية ومفردات واضحة.. وربما لهذا السبب أحببتُ أشعار القرضاوي والعشماوي وهاشم الرفاعي ومطر...!!
* * * * *
وتعددت مظاهر حبي المفرط لـ(الغة العربية).. حيث اهتممت بتحسين خطي - باستخدام كتب خاصة - إلى أن صار معروفا لدى المدرسين على مستوى المدرسة.. وطوال المرحلتين الإعدادية والثانوية كانت درجتي في مادة (الإملاء) و(النحو) هي النهائية دائما، وحتى مادة (التعبير) فكنت كثيرا ما أحصِّل فيها الدرجة النهائية...!!
هذا فضلا عن اتفاقي مع اثنين من رفاقي - ممن يشاركونني حب العربية - على أن نتحدث فيما بيننا بالفصحى فقط، تدعيما لإتقانها والتعود عليها... طبعا فقط بيننا، وإلا فلن نسلم من سخرية الساخرين واستهزاء المستهزئين..!!! :)
* * * * *
ثم فيما بين نهاية المرحلة الإعدادية وبداية المرحلة الثانوية حدثت ثلاثة أحداث ساعدت على مزيد من إتقاني لـ(اللغة العربية)، ومن ثم على مزيد من غرس حبها في قلبي:
أولها: بداية قراءتي المنتظمة للقرآن الكريم (عن طريق وِرْدٍ يومي ثابت)؛ فكان أن تعاملتُ مع أعظم نص يمكن أن تظهر من خلاله عبقرية وروعة وعذوبة وغنى هذه اللغة.. وأضحى الأمر بمثابة معادلة ذات طرفين كل منهما يؤدي إلى الآخر.. حبي للعربية زادني فهما للقرآن ومن ثم حبا له وقربا منه.. وزيادة فهمي للقرآن زادتني توغلا في (اللغة العربية) واكتشافي آفاقا رحبة جديدة في عالمها الرائع الفسيح.. وهكذا باستمرار.. كلما ارتفع مقدار طرف ارتفع مقدار الطرف الآخر تلقائيا..!
وثانيها: قراءتي في وقت قياسي لكتاب (النحو والصرف) الذي يشمل قواعد النحو جميعها، والذي استلمناه في بداية المرحلة الثانوية للقراءة الحرة، مما دعم عندي تذوق القرآن وفهم الكثير مما استغلق عليّ من تراكيبه، وهو ما أدى - بالتالي - إلى مزيد من الارتباط بـ(اللغة العربية).
أما ثالثها: فكانت نصيحة قدمها أحد مدرسي (اللغة العربية) في لقاء إذاعي مدرسي معه عندما سئل عن أفضل الوسائل التي تزيد الثروة اللغوية لدى الطلاب.. حيث أخبر أن السبيل إلى ذلك أن يهتم الطالب بجمع مرادفات مختلفة للكلمة الواحدة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.. وأذكر يومها أن بهرتني الفكرة وجذبت انتباهي بشدة (أليست طريقة جديدة للتودد إلى معشوقتي؟)..
وفي نفس اليوم بدأت أدون في الغلاف الداخلي لكتاب النصوص الكلمات التي أعرف لها أكثر من مرادف، وكنت أظن أنني سأستغرق وقتا طويلا لأملأ ذلك الغلاف، لكن لم تمر أيام معدودات إلا وقد امتلأ الغلاف عن آخره، فانتقلتُ إلى دفتر خاص(2).. ثم تطور الأمر إلى هواية أكثر متعة ضاعفت سريعا فهمي لألفاظ القرآن الكريم، وهي التعرف على الفرق الدقيق بين كل مترادفين؛ فمثلا: الفرق بين كلمتيْ (جلس) و(قعد) أن الأولى تكون من وقوف والثانية من اتكاء.. والفرق بين كلمتي (جاء) و(أتى) أن الأولى تكون للمحسوسات والثانية للمعنويات [فتجد في القرآن: "وجاء رجل من أقصى المدينة"، "أتى أمر الله"].. وهكذا..!(3)
* * * * *
الحديث لم ينتهِ بعد.. ففي (الجزء الثاني) سأتطرق من وجهة نظري - إن شاء الله - للآتي:
* قاموس (روش طحن) ومدى علاقته بلغتنا الحبيبة وتأثيره عليها إن كان له تأثير.
* هل حقا (اللغة العربية) في خطر داهم كما يردد العديد من الباحثين؟ وهل هي فعلا مهددة بالانقراض كما يزعم آخرون؟
* أيهما أفضل للداعية أو الأديب: التحدث أو الكتابة بـ(اللغة العربية الفصحى) أم بـ(اللهجة العامية)؟
دمتم سالمين محبين للغتنا الرائعة.
___________
(1) يوازي في نظام التعليم المصري الصف السادس الابتدائي.
(2) كم أتصور سعادة ذلك المدرس - إن كان على قيد الحياة - لو علم أن هناك مِن تلاميذه مَن أخذ بهذه النصيحة وما زال يعمل بها منذ أكثر من ربع قرن من الزمان..! فجزاه الله عني خير الجزاء.
(3) ظللت سنين أجمع مثل تلك الفروقات دون أن أجد كتابا خاصا يجمعها، حتى منَّ الله عليّ بمعرفة الدكتور/ فاضل السامرائي عن طريق التلفاز.. وهو عبقرية لغوية في هذا الشأن، أنصح كل من يهتم بالفهم العميق للقرآن أن يقرأ تراث هذا الرجل ويتابع برامجه.









