الأحد، فبراير 26، 2012

36 عبارات هوليودية(19): قنابل في حياتي..!!


"كلنا يمضي برتابة في حياته يوما بعد يوم.. حتى يُلقي أحدهم قنبلة عليها..!"
[أحد أبطال فيلم: Big Trouble]



أنت مثلي بالتأكيد.. مررتَ بأكثر من نقطة تحول في حياتك..
ماذا كانت الأسباب؟ بالتأكيد لا أعرف في حالتك..
لكن في حالتي كانت الأسباب تتنوع وتختلف...

فمرة كانت نقطة التحول "جملة عابرة" ألقاها شخصٌ ما غيرَ شاعرٍ بأثرها عليَّ الذي سيكون..
وخير مثال على ذلك تلك العبارة التي ألقاها أمامي ذلك الشاب المستهتر منذ 17 عاما عندما تعنَّتُّ في تطبيق لائحة النظام عليه؛ حيث صرخ في وجهي: "القوانين تحترم.. لكنها لا تُعبد".. جملة عابرة.. لكنها رجت قناعاتي وعدلت مفاهيمي حول كيفية التعامل مع النظم والقوانين إلى الأبد، فتحولت من منفذ صارم للقانون مهما سببتُ من ألم للآخرين (تماما كالضابط "جافير" في رواية "البؤساء") إلى باحث عن روح القانون ومقاصده للوصول من بين ثناياه إلى سبل الرحمة فيه قبل طرق العقاب..!

وتارة كانت نقطة التحول "حَدَثا عارضا" يجري أمام عينيّ في لحظة كانت فيها النفس صافية والعقل مهيأً للاستقبال..
مثال ذلك الموقف الذي دار بين مدرس زميل وأحد طلابه.. حيث أصر فيه المدرس على ضرب الطالب غير عابءٍ باستجداءاته والدموع التي تنهمر غزيرة بقهر وألم مزقا نياط قلبي.. لم يكن الموقف يستحق ذلك.. لكن المدرس أصر على الاستمرار ناسيا أن العقاب غرضه التأديب لا الانتقام.. لم ينمحي ذلك المشهد من ذاكرتي وظل عالقا بها.. بل صار هو الكابح الأول لي عند الشروع في عقاب أحد تلاميذي..!

وحينا كانت نقطة التحول "تجربة قاسية" أصرت الأيام من خلالها ألا تتركني في صفوف المشاهدين، بل جعلتني بطلها ومحورها والذائق الوحيد لمرارتها..
ومثال ذلك تجربتي العنيفة مع مدير العمل - في بداية حياتي العملية - التي أعماني فيها الغضب عن إبصار الصواب ودفعني إلى اتخاذ قرار كان يمكن أن أندم عليه طويلا لولا أن تغمدني الله برحمة من عنده.. هذه التجربة صارت سببا في قدرتي بعد ذلك على التحكم في غضبي بحيث لا أتخذ قرارا خلاله أبدا..!

صحيح أن تلك الأسباب اختلفت في قوتها..
لكنها اتفقت - بلا ريب - في تأثيرها عليّ...
كانت جميعها بمثابة قنابل ألقِيت على حياتي؛ فسببت فيها ما يمكن أن أسميه: "فوضى خلاقة"..!!


* * * * *

وأنت...
ألا تشاركنا بقنابل من حياتك؟!! 

الخميس، يناير 12، 2012

29 صديقتي (وِلسون)..!


قبل أن تظن بي الظنون، أو تنعتني بالمتغرب المتفرنج انتظر قليلا وسأشرح لك الموضوع من بدايته..

    لسبب ما - ستعرفه - استعدت بذاكرتي مشاهد فيلم Cast Away للممثل المميز (توم هانكس) الذي شاهدتُه منذ عدة أعوام.. وفيه نرى البطل وقد انتقل بتصاريف القدر - بين عشية وضحاها - من قمة المدَنِيَّة الحديثة بكل رفاهيتها (ممثَّلَة في عمله مديرا بإحدى الشركات الأمريكية الكبرى) إلى قمة البدائية (ممثلة في جزيرة معزولة في المحيط)؛ وذلك بعد سقوط طائرته ونجاته منفردا من بين كل طاقمها..!
    وعبر سيناريو نادر الكلمات - لكنه رائع التصوير- يُبْرِز الفيلم لنا عدة معانٍ قيِّمة في الحياة..
    من أهمها - في رأيي - ألا نركن إلى حال في هذه الدنيا فليس فيها شيء مضمون أبدا، وأن علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للأسوء مهما كنا نرفل في رفاهة من العيش..! ومنها - وهو ما أُعنى به في هذه الومضة - أن علاقاتنا بالآخرين هي إحدى ضرورات الحياة، واحتياجنا لعلاقة ما بآخر - مهما كان شكلها - هي من طبائعنا التي جُبلنا عليها كَبَشَر..
    وقد أشار الفيلم إلى تلك الحقيقة وصورها بمثال رائع جاء مؤثرا بشدة.. فالبطل تمر عليه أسابيع طوال من الوحدة المملة الخانقة في الجزيرة، وكان من المخلفات التي التقطها من حطام الطائرة - على غرار ما فعل (روبنسون كروزو) مع حطام سفينته - كرةٌ جديدة، وفي لحظة ضيق أمسك الكرة بيد مجروحة ملوثة بالدم ليلقيها بعيدا بكل غضب، فإذا بدمائه ترسم على الكرة - بعشوائية - شكلا أقرب للوجه البشري؛ فبدت للبطل - ولنا - وكأنها شخص له كيان يتطلع إليه بصمت من بعيد..


ومع مرور الوقت -ومع التأكد من عدم وجود بشر على الجزيرة مع اليأس من وصول نجدة إليها- اتخذ البطل تلك الكرة (ذات الوجه البشري) صديقا يشاوره في أموره.. ويبثه همومه.. وفي لحظات الصفاء يريه صورة حبيبته ويحدثه عنها وعن أحلامهما سويا..! ولمزيد من التصديق (ليصدق هو نفسه بدلا من أن يجن) أطلق على (صديقه) اسم (ولسون)..!
    وتتوالى الأحداث.. وعند محاولة البطل مغادرة الجزيرة إذا بـ(ولسون) يسقط في الماء وتجرفه الأمواج الهائجة بعيدا عن الطَوْف الذي يركبه البطل.. وهنا نتأكد من مدى قوة (العلاقة) التي نشأت بينهما - بل مدى تصديق البطل لهذه العلاقة - عندما قفز في الماء متحديا الأمواج العاتية ومغامرا بحياته نفسها.. فقط لينقذ (ولسون)..!!


    القصة تمثل تجربة ثرية ذات أبعاد إنسانية لأقصى درجة..
    يومها -رغم تأثري- ابتسمت بشبه تهكم من تلك العلاقة الغريبة..! 
    ومرت الأيام...


    وأتى عَلَيَّ حين من الدهر عشتُ فيه - وما زلت - وحيدا بعيدا عن أسرتي ووطني.. ورغم وجودي في بلد عربي مسلم وإحاطتي بعدد كبير من الزملاء والرفاق.. إلا أنني في الغربة كثيرُ المعارف شحيحُ الصداقات.. أفتقر فيها لأقرب ثلاثة إلى قلبي.. لذا تجدني - حين يواجهني موقف عصيب أو تجربة قاسية - أعتزل المحيطين بي لأنطلق -لا ألوي على شيء - بسيارتي الجيب .. تلك العزيزة المريحة التي تتحمل قيادتي الصعبة وقسوتي عليها أحيانا.. كما أقضي بداخلها ساعات من التأمل أو الحزن أو الشوق أو الفرح.. وكما اتسعت لأغراضي مهما ثقلت فإنها صارت أيضا تتسع لآمالي وأحزاني وأشواقي.. وكم شَهِدَت تنهداتي وآهاتي ودموعي و-أيضا- ابتساماتي..!
    وفي أحد الأيام أضاءت هذه الومضة - أو لحظة التنوير - الجديدة.. فقد فوجئتُ بنفسي وقد استغرقتُ في حديث طويل مع سيارتي.. أشاورها في أموري.. وأبثها همومي.. وأسترجع معها لحظات سعادتي مع زوجتي وبنتَيَّ وآلام الشوق إليهن...!!
    هنا قفزت أمامي أحداث الفيلم كلها..وبعد لحظات من الصمت المشدوه.. انفجرت في ضحكات عالية تفوح منها رائحة الجنون.. ثم ربتُّ على (تابلوه) سيارتي الحبيبة، وقلت لها وأنا أنطلق بها: هيا بنا يا صديقتي.... (ولسون)!!!
_________________
تذييل لا بد منه:
هذا الموقف كان منذ أكثر من عام.. لكن ظروفي النفسية الآن صارت - بفضل من الله ونعمة - أفضل بعشرات المرات.. ولهذا أرى أن من أجمل فوائد المدونة التأريخ .. لا أقول للأحداث.. بل لمشاعرنا.. لنرى من حين لآخر كم نتغير.. وكم تغيرنا الأيام.. وكم هي نعم الله علينا بهذا التغيير...!

الاثنين، يناير 09، 2012

22 فلنسخر من مرضى القلب والكبد..!!



هل صدمك العنوان؟
لقد صدمني أنا أيضا..!
نعم.. ففي لحظة تنوير فوجئت أنني وأنت - ومعنا المجتمع في غالبه- نسخر ممن هم على شاكلتهم!!
ممن يشتركون معهم في أنهم... مرضى!
إنهم المجانين.. أولئك الذين نقول عنهم: أنهم.. في نعيم (!!!)


فهل حقا هم في نعيم؟
هل الذي حُرم أعظم نعمة منَّ الله عليه بها يُعَّدُّ في نعيم! بل هو الجحيم..
أليس جحيما أن تعيش وحيدا بين الناس؟!
أليس جحيما أن تتألم ليل نهار وأنت ترى عوالم وأشخاص وأحداث.. يؤكد لك عقلك أنها حقائق على حين يقسم المحيطون بك أنك لا ترى إلا سرابا وهذيانا؟! فإن لم يسخروا منك فلا تحَصِّلَ منهم - على أقصى تقدير - سوى نظرات الشفقة!
هل جربت أن ترى أحد أحبائك المقربين الذي كان مِلْءَ السمع والبصر في رجاحة العقل وقد فقد ذلك العقل وجلس أمامك ذاهلا زائغ النظرات حائرها؛ لأنك لا تصدق ما يرى ولا تسمع ما يسمع ولا تشعر بما به يشعر؟!


ما الفرق إذن بين مريض القلب والكبد ومريض الجنون؟!
أعتقد أن الفرق بيِّن؛ فمريض القلب أو الكبد يحظى بالرعاية والمساعدة ممن حوله.. بينما يحظى مريض الجنون بالرعاية من أهله وذويه ويحظى فوقها بالسخرية من المجتمع في ظاهرة قميئة يتولى كِبْرَها إعلامنا غير المبالي وغير المسئول حينما يصر - عبر عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات - على تقديم عالم المجانين في ذلك القالب الهازئ الساخر..!


فإذا كنا نُصِرُّ على مجاراته في هذه السخرية، فلنسخر إذن من مرضى القلب والكبد!!

الأحد، أكتوبر 16، 2011

41 إعلان ببلاش(4): الرواية الجديدة



قريبا جدا.. تصدر الرواية الجديدة (إصدارا) القديمة (كتابة) عن دار ليلى للنشر.. والمفترض بإذن الله أن تلحق بمعرض الكتاب القادم..!

رواية تاريخية هي.. ويظهر فيها هروبي الدائم من (الحاضر).. فرواياتي كلها ما بين تاريخية (هروب إلى الماضي).. أو من الخيال العلمي (هروب إلى المستقبل).. ولم أجرؤ بعد على الكتابة الروائية عن حياتنا الآنية.. ولكن أتمنى ذلك بشوق كبير...!!  

* * * * *

عنوان الرواية:

وداعا للسيد..!

وهذا هو نص الغلاف الخلفي: 

"هذه الرواية..

تجيب عن أكبر لغز حَيَّرَ المؤرخين عبر التاريخ...
كيف استطاع رعاة الإبل والشاة أن ينتظموا في كتلة بشرية متماسكة، ثم ينطلقوا كالسيل الجارف يكتسحون قوى الظلم؛ ليواجهوا أكبر إمبراطوريتين في العالم في نفس الوقت؟!!
كيف تمكنوا - في غفلة من الزمن - أن يُخضِعوا إحدى هاتين الإمبراطوريتين لسلطانهم، ويُنهوا وجود الأخرى من جزيرتهم إلى الأبد؟!!

هذه الرواية..

تستدعي من تاريخنا حدثا فريدا من نوعه؛ لتسلط عليه الضوء، وتغوص في أعماق شخصياته وتحللها؛ لتقدم بشكل جديد تفسيرا منطقيا مقنعا للأفعال وردود الأفعال، فتجدد الحدث التاريخي التقليدي لتقدمه بشكل غير تقليدي تختلط فيه الإفادة بالإمتاع..!

هذه الرواية..

تقدم إثباتا جديداعلى أنه ليس بالسيوف وحدها أَذَلَّ أجدادُنا جبابرة الأرض في زمانهم؟!!

كل ذلك.. في قالب قصصي جذاب، وحوار متلاحق شديد الإمتاع، ولغة قوية وسهلة في الآن ذاته، وأحداث مشوقة تأسر القارئ منذ السطور الأولى إلى الكلمة الأخيرة..!"

بالمناسبة.. العبارة الأخيرة ليست رأيي الشخصي وإنما هي خلاصة آراء من قرؤوا الرواية من النقاد أو الناشرين ولله الحمد.. ولكن كل رجائي أن يكون هذا رأي قرائي كذلك.. اللهم آمين.

* * * * *

وهذا هو الكتاب الأول الذي لم أصمم غلافه بنفسي؛ إذ رأيتُ لسبب ما أن أجرب تصميما خارجيا هذه المرة.. وهذا هو الغلاف المقترح من الدار.. أرجو أن تشرفوني بآرائكم فيه قبل أن (أعطيهم الأوكيه!)...


دمتم سالمين. 

الأربعاء، أكتوبر 12، 2011

26 عبارات هوليودية(17): بين الكبرياء والثقة..!


بين الكبرياء والثقة..!


"الكبرياء دعامة من يفتقر للثقة"
[سائق الشاحنة يعلق على مناقشة بين البطلين؛ حيث يرفض الزوج - بكبرياء - المساعدة من والد زوجته]

أعتقد أن هذه العبارة ليست صحيحة على الدوام.. لكنها أخذت مكانها بين عباراتي لأنها استجلبت بقوة من ذاكرتي تجربة قديمة؛ فوصَفَتْها واختزَلَتْها بكل دقة في تلك الكلمات المعدودة..!
كنا في بداية المرحلة الجامعية.. بعضنا نفوس لم تستعد توازنها بعد من جراء معركة (الثانوية العامة).. وبعضنا أنفاس مبهورة بعالمٍ جديد..
لكن الجميع يتخبط في محاولات مستميتة لفهم واستيعاب طبيعة الدراسة في كليتي العملية المشهورة بصعوبتها!!
وعبر كل هذا الصخب.. ظهرت هي فجأة..
جميلة.. وغامضة.. لا أحد يعرفها.. من أين جاءت..؟ ولماذا ظهرت الآن؟!
وباءت محاولات بعض الزملاء في التودد إليها أو التعرف عليها بالفشل..
وبطبيعة الحال ساد وصفها بين الزملاء بالمتكبرة والمغرورة وغيرها من الصفات الشبيهة..!
لكن حَدَثا - ليس لي يد فيه - دفعها فجأة في طريقي..(1)
أنا بالذات..!!
اندهشتُ لأنني لم أكن ممن حاولوا التقرب إليها.. بل إنني لم أنتبه حتى إلى وجودها من الأساس..! فلم يكن التودد إلى الفتيات من مبادئي، ناهيك عن انشغالي التام بتجاوز تلك المرحلة العصيبة من التأقلم مع الدراسة والتي زامنها بقايا أزمة نفسية قريبة لم أتجاوزها بعد..!
لكن رغما عني.. عرفتُ الكثير عنها...!
من أين جاءت.. مَن أهلُها.. مَن أصدقاؤها.. كيف تعيش.. ذكرياتها.. أحلامها.. قناعاتها..!!!
فرصة لم أطلبها كشفت لي مكنوناتها..!
لكن أهم ما أثار اهتمامي في كل هذا اكتشافي أنها لم تكن أبدا تلك المتكبرة المغرورة، وإدراكي سببَ تلك الهالة من الجمود والغموض التي أحاطت بها وحجبتها عن الآخرين..!!!
وعندما غابت فجأة كما ظهرت فجأة.. لم يبقَ من ذكراها سوى تلك الحقيقة التي اكتشفتُها والتي استخرجَتْها تلك العبارة:
بعض الواهنين الذين دفَعَتْهُم صروف القدر وتقلبات الأيام إلى افتقار الثقة في أنفسهم أو في الآخرين لا يجدون سوى الترفُّع المصطنع أو التكبر المزعوم؛ ليكون لهم درعا يحمون به هشاشتهم، ويحتمون خلفه من محاولات الآخرين لاختراقهم..!!!
____________
(1) ربما أذكره يوما في "مذكرات طالب حيوان".

الأحد، أكتوبر 09، 2011

20 من قصصي(1): عيـن من السمـاء..!


عيـن من السمـاء
نشرت هذه القصة منذ بضع سنين في جريدة آفاق عربية (المصرية) ومجلة ولدي (الكويتية)
_______________

أخذ يتحسس تلك الحافظة التي انتشلها من راكب في إحدى الحافلات قبل أن يقفز منها، وهم أن يفتحها لاستكشاف محتوياتها، لكن سرعان ما بدت له هذه الفكرة غير صائبة على الإطلاق.. كان قريبا من جمع من الناس يقفون أمام إحدى الحدائق العامة، وقد شعر أنهم ينظرون إليه بنظرات الشك والاتهام؛ وكأنهم يعلمون ما اقترفه منذ قليل..!

وبعد لحظة من التفكير، قرر الدخول إلى الحديقة؛ ليرتاح من عناء العمل طوال النهار، ولم يلبث بالفعل أن ابتاع إحدى تذاكر الدخول، وما إن دخل إلى الحديقة حتى اتجه إلى ركنٍ منزوٍ فيها، وجلس على أحد المقاعد الحجرية، ثم أخرج الحافظة - بلهفة - ليفتحها ويعرف محتوياتها، لكنها.. كانت خاوية!!
أصيب بالإحباط والضيق لبعض الوقت، لكنه تناسى الأمر سريعا؛ فليست المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف..
وأخذ يبدد السأم بالتجوال ببصره في أرجاء الحديقة، وابتسم - مرغما - وهو يشاهد أولئك الأطفال الذين يمرحون ببراءة، وتتعالى أصواتهم في مشاجرات حامية تمثل لهم أهم مشاكل الحياة في تلك اللحظات..

أثناء ذلك، كانت نظراته اللامبالية تطوف بالمكان عندما وقع بصره فجأة على مشهد جعله يلتفت إليه بكل كيانه، بل وينهض واقفا، ثم يتجه نحوه..!
كان مشهد سيدة عجوز - تنطق ملابسها الفاخرة بثرائها - وهي تطعم طفلا صغيرا يجلس في عربة أطفال أمامها.. ليس هذا ما أثار انتباهه في حد ذاته؛ وإنما تلك الحقيبة التي تضعها على المقعد الحجري بالقرب منها، وتوليها ظهرها أثناء انهماكها التام في إطعام الطفل..!
ووجد نفسه قد اقترب بالفعل، وبخفة وحذر قط يهم بسرقة قطعة لحم جلس على المقعد، وامتدت يده بسرعة - وبصوت منعدم تقريبا - نحو الحقيبة، في الوقت نفسه الذي أخذت فيه عيناه تجولان في المكان للتأكد من أن أحدا لا يراه..
ولكن...

يبدو أن مهنته أكسبت يده سرعة تفوق سرعة دوران عينيه في محجريهما؛ ففي اللحظة التي استطاع فيها معالجة قفل الحقيبة وفتحها بالفعل، وقع ناظره على عينين حادتين تحدقان فيه، يعلوهما حاجبان كثان منعقدان في صرامة، وبِرَدِّ فعلٍ طبيعي سحب يده من الحقيبة بحدة، وبنفس الحذر والصوت المنعدم؛ لئلا تنتبه إليه السيدة..


وكاد ينهض ويسرع مبتعدا عن المكان، لولا أن ابتعدت عنه عينا ذلك الرجل الجالس على أحد المقاعد القريبة المقابلة له..
تنفس الصعداء عندما انتقل الرجل بناظريه بعيدا؛ مما أشعره بأن ذلك الأخير لم يلحظ حركة يده؛ فقفزت يده بخفة ثانية نحو الحقيبة - التي صارت مفتوحة هذه المرة - وقلبت محتوياتها بسرعة فائقة لتتوقف عند إحداها..! كاد يقفز فرحا وهو يتحسس تلك الرزمة المالية التي قدر أنها تتخطى الأربعة آلاف من الجنيهات - كما يبدو من سمكها ومساحة أوراقها -، وقبض بيده على الرزمة المالية، وهم بإخراجها، ولكن..!
خفق قلبه فجأة بشدة بين ضلوعه..
لقد كان الرجل ينظر إليه هذه المرة.. لم يعد يشك في ذلك.. إذ رآه يحدق فيه وقد ازداد حاجباه انعقادا، وكأنه يقول له - في صمت - وبلهجة معاتبة:
- ألم أحذرك في المرة الأولى؟

لكن ما أدهشه أن رد فعله كان على عكس المرة السابقة تماما؛ إذ فوجئ بيده تتصلب داخل الحقيبة حول الرزمة المالية وقد بدأ العرق يتصبب على جبهته..
كان يشعر بخوف مبهم..!
خوف عجيب لم يشعر بمثله من قبل مع هاتين العينين الحادتين ونظراتهما النافذة التي نفذت إلى أعماقه لتعبث بقلبه وتجعله يخفق بعنف، حتى كاد يسمع صوت ضرباته اللاهثة..!
ومضت بضع ثوان على هذا المشهد الصامت، مرت عليه كساعات طوال، لم ينتبه خلالها إلى أي شيء حوله، حتى تناهى فجأة إلى سمعه صوت طفلة صغيرة تهتف بمرح:
- أبى.. هيا لنرحل، لقد حضرت أمي.
ورأى الطفلة وهي تقترب من ذلك الرجل، وكأن قدومها كان المنقذ له؛ فما إن التفت الرجل إلى الطفلة حتى ترك هو الرزمة المالية على الفور دون أن يعلم سببا لذلك، وانتزع يده من الحقيبة انتزاعا، متخليا عن حذره المعتاد..!

واجتمعت مشاعر الرهبة والخوف والتوتر بداخله؛ ليخرجها في زفرة ارتياح حارة.. وما إن فعل حتى التفتت العجوز إليه، وحركت ناظريها بينه وبين حقيبتها المفتوحة في شك وارتياب، فلم يسعه إلا أن قال لها بكلمات متعثرة:
- لقد.. لقد أردت تنبيهك إلى أن الحقيبة مفتوحة.
لم تزايلها نظرة الارتياب وهي تنظر إلى داخل الحقيبة، وعندما وجدت أن الرزمة المالية ما زالت موجودة بدا بعض الارتياح على وجهها، وهى تشكره على فعله.

وتذكر هو بغتة ذلك الرجل..
والتفت نحوه..
وكان ما فاجأه وجعل حدقتاه تتسعان ذهولا..
مشهد الرجل وهو يسير ببطء بجوار الطفلة قابضا على يدها بإحدى يديه، بينما يتحسس الطريق بواسطة عصا يمسكها بيده الأخرى.. تلك العصا التي لم ينتبه إلى استناد الرجل إليها طوال الوقت..!
نعم.. كان الرجل ضريرا.. فهو لم يره قط..!
حتى عندما نظر إليه.. كانت مصادفة.. مجرد مصادفة..!
ونهض واقفا في غضب، وكادت تقفز من عينيه دموع القهر وهو يرى الرجل يبتعد مسترشدا بابنته في السير..
راح يراقبهما بضع لحظات بعمق..

وهنا.. توقفت دموعه الغاضبة فجأة قبل أن تنحدر على وجنتيه..
لقد بزغت ومضة ما في عقله، لم تلبث أن انتشرت وأضاءت كل ركن في جسده وهو يسترجع كل ما حدث منذ ما يقل عن الدقيقتين..
وصرخ في أعماقه:
- يا إلهي.. لم تكن نظرات الرجل مصادفة.. لم تكن كذلك على الإطلاق..!
ثم أخذ يبتعد عن المرأة العجوز في سعادة متناهية؛ لأنه لم يحصل على المال...
لقد انفتح عقله المغلق فجأة وفهم الأمر على حقيقته..
فهم سبب ملاحقة نظرات الرجل له.. وعرف سر حدتها.. وسر الخوف العجيب الذي أصابه من جرائها ودفعها إلى ترك النقود..
إن عينيْ الرجل لم تنظرا إليه قط، بل كانت عينا أخرى..
عينا من السماء!

الثلاثاء، أكتوبر 04، 2011

22 مصطلحات شائعة(17): السُفُسطائية (السفسطة)


السُفُسطائية (السفسطة) Sophism 


يشيع بيننا أن نَصِفَ شخصا ما بأنه سفسطائي لمجرد أنه كثير الجدال والنقاش.. لكن هل هذا الوصف صحيح أو دقيق؟
فلنعد لأصل الكلمة وستظهر لنا الإجابة...

المعنى اللغوي لكلمة سفسطائي (سوفيتيس) في اليونانية تعني الحكيم أو المعلم. و"السُفُسطائية" حركة فلسفية عرفتها اليونان القديمة (نهايات القرن السادس وبدايات القرن الخامس ق.م.)، وقد ظهرت هذه الحركة (أو هذا المذهب) في تلك الفترة نتيجة تأثر اليونانيين بمعاركهم مع الفرس والفينيقيين؛ حيث فطنوا إلى أن تلك الشعوب لم تصل إليهم (من بلادهم البعيدة) إلا بسبب اهتمامهم بأسباب الحضارة المادية القائمة على العلم.. فاندفع الشبان اليونانيون للاهتمام بالعلم والتعلم، فتصدى لهذا الهدف مجموعة ممن لديهم قدر من المعرفة، وسموا أنفسهم (سوفيتيس) (أي المعلمين البلغاء أو معلمي الحكمة).

وقد اشتهر فلاسفة "السفسطائيين" بالبراعة في علم الكلام والمحاججة، وتميزوا بالقدرة على قلب الحقائق باستخدام أسلوب المغالطة والتضليل والقياس على أمور غير حقيقية، وذلك للتمويه على الخصم وإفحامه وإسكاته. كما اشتهروا بإثارة الأسئلة والشكوك حول كل شيء بما في ذلك البديهيات؛ مثل المبادئ الدينية وأصول الأخلاق، ولإثبات شكهم كانت لهم القدرة على الإتيان بالحجة على صحة الشيء ونقيضه في نفس الوقت..!

وكان مما ميزهم عن غيرهم من فلاسفة ذلك العصر أنهم أول من قام بالتعليم مقابل المال من الفلاسفة؛ حيث كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى باحثين عن الشباب الأغنياء واعدين إياهم بتعليمهم مهارات الجدل والخطابة.
ومع أن هذا الاسم "سوفيتيس" (وتعريبها سفسطي أو سفسطائي) كان في الأصل وصف مدح؛ إلا أن لجوء هؤلاء المعلمين لتقاضي مالا لقاء تعليمهم (أي للتكسب بعلمهم) جعل (سقراط) يعتبر ذلك مأخذا سلبيا عليهم؛ فصار اسم (سفسطي) صفة ذم(1).. ونتيجة لآراء هذا الأخير فيهم -ومن بعده (أرسطو) كذلك- أصبح لفظ "سفسطة" ينحصر في معنى: الاستدلال القائم على الخداع والمغالطة.

* * * * *

من جديد.. هل كل نقاش أو جدال في قضيةٍ ما هو مجرد "سفسطة" بمعناها المذموم؟
بتعبير آخر: هل كل نقاش أو جدال هو أمر مذموم؟ خاصة مع علمنا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم (ضامن) ببيت في ربض الجنة (أسفل الجنة) لمن ترك الِمراء وإن كان محقا..." [جزء من حديث رواه أبو داود، حسنه الألباني فى صحيح الجامع]. 

الحقيقة أن معنى (المراء) في اللغة: استخراج غضب المجادل. والمراء المنهي عنه شرعا: طعن الإنسان في كلام غيره؛ لإظهار خلله واضطرابه، ليس لهدف إلا تحقير الخصم. وإن كان المماري على حق في القضية المطروحة، فإنه لا يجوز له أن يسلك هذا السبيل؛ لأنه لا يقصد من ورائه إلا تحقير غيره والانتصار عليه.. وهذا ليس من صفات المسلم ولا أخلاقه.

أما (الجدال) فهو من الجَدَل، ومعناه في اللغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. أما معنى (الجدل) في الشرع: رد الخصم بالكلام عن مقصده الباطل. و(الجدل) بهذا المعنى محمود شرعا، بل هو مأمور به في سبيل إظهار الحق، ومن الأدلة عليه قوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل:125]، وقوله: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" [العنكبوت:46]، ومن أمثلة الجدال لإعلاء الحق ما فعله (ابن عباس) - رضي الله عنهما - لما جادل الخوارج، ورجع منهم خلق كثير بسبب حججه القوية المقنعة في الجدال والمبنية على علم راسخ.

* * * * *

خاتمة طريفة (عاوزة تركيز وبال رايق!)

هذا مثال على السفسطة عن طريق استخدام الحقيقة الواحدة لإثبات الأمر وضده (!!!):
قام أحد السفسطائيين بتعليم أحد التلاميذ أصول السفسطة من أجل أن يحترفها التلميذ فيما بعد، لكن التلميذ ترك السفسطة وامتهن عملا آخر ولم يدفع للمعلم السفسطائي أجرا مقابل فترة التعليم..
فاشتكى المعلمُ التلميذَ لدى المحكمة، وطالب بمال لقاء تعليمه إياه السفسطة، وكان يطالب بأن يدفع له التلميذ مالا سواءً فاز بالقضية أو خسرها.. حيث أنه إذا فاز المعلم سيكون على التلميذ دفع المال بحكم المحكمة، وإذا فاز التلميذ سيكون هذا دليلا على أنه تعلم السفسطة (لأن لديه حجة قوية للإقناع) وعليه أن يدفع أيضا في هذه الحالة...!
وكان ردّ التمليذ بليغا (وسفسطائيا كذلك!!)؛ إذ أنه طالب بألا يدفع سواء فاز أو خسر.. حيث أنه لو خسر أمام المعلم فهذا دليل على أنه لم يتعلم السفسطة (ليس لديه حجة قوية للإقناع) وبهذا لا يدفع.. وإذا فاز على المعلم فهو لن يدفع أيضا بحكم المحكمة....!!!

تصبحوا على خييييييييييييييييييير....!
___________
(1) لكن الفيلسوف المعاصر (برتراند راسليرى أن السفسطائيين الذين يحترفون الكلام هم أيضا بحاجة إلى الطعام!!!

السبت، أكتوبر 01، 2011

27 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (2من2)

 Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(2من2)


ذكرتُ في البوست السابق سبب تأثري بشخصية آنجل (مصاص الدماء) الذي عاش سنين طويلة في معزل عن الآخرين..
عشرات السنين كانت كافية لجعله يفقد أحبابه واحدا تلو الآخر..
الفناء يحصدهم جميعا.. لكنه يتخطاه ليزداد ألما وعذابا..
الزمن يمر عليهم كلهم.. لكنه يتوقف عنده بالذات ليزداد وحدة ووحشة.. 

* * * * *

قلت أن هذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!
عالم يتغير باستمرار.. تتبدل فيه الوجوه والأسماء.. لكن تبقى فقط المعالم لتشهد في صمت على ما كان.. وتشاركك وحدك استدعاء الذكريات..!!
عالم مقبض كئيب.. لا أحد فيه يعرفني.. لا أحد يتذكرني.. لا أحد يسترجع معي ذكرياتٍ مشتركة.. لا أحد يخطط معي مستقبلا يجمعنا.. لا أحد يعنيه شأني من الأساس..!
وقلت أن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...!!!!

* * * * * 

في الإجازة الأخيرة.. ذهبت في زيارة لكُلِّيَّتي..
اليوم مر على تخرُّجي ست عشرة سنة..!
وكانت حقا تجربة مؤلمة.. بالنسبة لي على الأقل..!!!
أخذت أتجول بين أَرْوِقَتِها التي لم يتغير فيها شيء...
نفس الجدران بلونها الكالح الباهت مهما طليت..
نفس الدواليب القديمة المتداعية مهما رممت..
نفس عينات الحيوانات التي لا تستبدل أبدا..
نفس روائح المعامل التي تمتزج مع كل ما سبق في خلطة عجيبة تسمى الذكريات..!!!
لهذا بدت لي معالم الكُلية أثناء تجوالي بينها كلوحة قديمة مشققة باهتة تفتقر إلى عنصر الحياة رغم كل الوجوه التي تتحرك من حولي..!!
صدقني.....
رحتُ يومها أتطلع إلى مشاهد لا يراها أحد غيري..
وأسمع أصواتا لا يسمعها فرد دوني..!

* * * * * 

ها أنا ذا - على نفس هذا السور الحجري - أجلس بين رفاقي.. يملأ صخبنا المكان.. أليس هو ملكنا وحدنا.. ألسنا سنبقى في هذه السن الغضة أبد الدهر..!


وها أنا ذا - عند هذه الصناديق الزجاجية - أتصلب طويلا مع زملائي أمام محتوياتها من عينات الحيوانات المحنطة؛ لنرسمها وندون أسماءها اللاتينية استعدادا للامتحان العملي..!


أراني وقد استلقيت على ظهري على عشب الحديقة مع صديق عمري نتبادل الأحلام حول مستقبلنا.. تلك الأحلام التي أعرف الآن فقط ما تحقق منها وما لم يتحقق..!!


ها نحن - في هذا الممر بالذات - نتسابق إلى قاعة المحاضرات ليُحَصِّلَ كل منا أقرب مكان يستطيع منه الاستماع بوضوح إلى الدكتور المحاضر..!


ها أنا ذا - في المسجد الصغير الحميم - أسترق الوقت بين المحاضرات لأصلي وشيطاني يوسوس لي بمكر يفسد علي صلاتي: هل ستلحق بالمحاضرة التالية قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج..؟!!


ها نحن نتزاحم - تحت تلك الشجرة الضخمة العتيقة - وننتظر في وَجَلٍ تعليقَ تلك الورقة التي تشكل مستقبلنا عاما بعد عام.. نتيجة آخر العام..! 


وانتهت جولتي التي شعرتُ خلالها وكأنني مع تلك الوجوه - التي لا تعرفني - شبحٌ يمشي بينهم..
يراهم ولا يَرَوْنه..!
فقط هذه المعالم هي من يشاركني الذكرى..!
لكنها لن تتنهد معي..!
لن تبتسم معي..!
لن تترقرق عيونها بالدمع معي..!
لكني حمدتُ الله أني سأعود إلى عالمي بمجرد الخروج من بوابة الجامعة..
عالمي الذي ما زلت أحتفظ فيه بمن أحب..
الذي أجد فيه من يتنهد معي.. يبتسم معي.. يبكي معي..!!
لكن - أسأل في توجس ولا أريد إجابة -: ماذا لو قدر الله فأطال عمري.. وذهب الجميع وبقيت؟!!!!!
حقا إن طولَ العُمرِ حلمٌ جميل يتمناه البعض.. لكني لستُ منهم؛ فهو في نظري إن تحقق بهذه الصورة، لن يلبث أن يتحول إلى كابوس..!!

الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

20 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (1من2)


Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(1 من 2)


آنجل Angel.. مصاص دماء يتمتع - كغيره من بني جنسه - بقدرة خارقة على مقاومة الموت؛ لذا يعيش طويلا جدا..
لكنه يختلف عنهم في اللعنة التي أصيب بها، وهي أنه صار - خلافا لبني جنسه - ذا روح؛ وبالتالي صارت له مشاعر بشرية.. يحس بتعذيب الضمير على كل ما اقترف من آثام ويشعر بالألم الشديد تجاه كل روح أزهقها ليروي عطشه الأبدي للدم البشري.. 
فصارت اللعنة الحقيقية هي تلك الحياة المزدوجة البائسة التي يحياها؛ فلا هو صار بشريا خالصا يستغني عن شرب الدماء.. ولا هو بقي مصاصِ دماء خالص منعدم الإحساس بالذنب..!

من أجل ذلك راح يكفر عن خطاياه باستخدام قواه الفائقة في حماية البشر الضعفاء من مصاصي الدماء وأمثالهم من المسوخ، مع اضطراره لشُرْبِ دم الماشية عوضا عن دم البشر، والتحرك ليلا بعيدا عن ضوء الشمس الذي يحرقه.. والأهم من كل ذلك الانعزال الدائم عن الآخرين والافتقار إلى أية علاقة إنسانية طبيعية..!


كنتُ أدرك منذ البداية أن هذه الشخصية تطرق على شيء ما بداخلي.. وإلا لما تأثرتُ بها بهذه الطريقة!!
ولكني لم أدرك على أيِّ وتر في نفسي تعزف لحنها الحزين!


ومع متابعتي للمسلسل - الذي يمزج كثيرا بين مواقف معاصرة للبطل ومواقف قديمة عاشها منذ 200 سنة عندما كان شريرا (من خلال تقنية الفلاش باك) - أدركتُ السر وراء تأثري بهذه الشخصية واهتمامي بها..
إنها تغوص في كل مرة لتستجلب من أعماقي خوفا قديما.. أو للدقة واحدا من مخاوفي العديدة!!

كنت دائما أكره فكرة أن أعيش طويلا جدا، وأن أرى من أحبهم يموتون واحدا واحدا..
أن أشهد كل من أعرفهم - ممن يشكلون في مجموعهم حياتي بأسرها - يختفون أمام ناظري واحدا تلو الآخر..
تتبدل الوجوه والأسماء جميعها..
يتغير العالم من حولي..
لأجد نفسي يوما ما في عالم آخر مختلف..
نعم مختلف.. ونعم جديد.. لكن مقبض كئيب..
لا أحد فيه يعرفني..
لا أحد يتذكرني..
ليس فيه من يسترجع معي ذكريات مشتركة..
ليس فيه من يخطط معي مستقبلا يجمعنا..
ليس فيه من يعنيه شأني من الأساس..!
وهذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!


لكن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...


يتبــــــــــــــــع بإذن الله....

الجمعة، سبتمبر 23، 2011

29 عبارات هوليودية(5): النهايات... السعيدة..!!


النهايات... السعيدة..!!




"النهايات السعيدة هي قصص لم تنتهِ بعد!"
[البطلة لزوجها رافضة عرضه عندما أراد متفائلا أن يفتحا صفحة جديدة في علاقتهما بعد صراع بينهما]


كم طرأ معنى هذه العبارة على عقلي كلما انتهت قصة الفيلم بالزواج السعيد للبطل والبطلة؛ فأتساءل: ماذا بعد؟


هل تتوقف الحياة عند هذه اللقطة؟


إن ثبات الحال من المحال..


ولهذا كنت دائما أحب القصص التي لها جزء ثان وثالث..


التي تؤكد هذا المعنى لدي..


التي لا تدعي أن الحال سيبقى على ما هو عليه مع أبطال القصة..


بل تكشف دَيْدَن الحياة معنا.. ودَيْدَننا معها...


فلا المنتصر يبقى منتصرا، ولا المهزوم يبقى مهزوما..


ولا الطيب يجب أن يبقى طيبا، ولا الشرير يجب أن يبقى شريرا..


ولا الصديق يبقى بالضرورة صديقا، ولا العدو يبقى بالضرورة عدوا..


وكذلك - وهو من أقسى الدروس التي نتعلمها - لا يبقى حبيبك دائما حبيبك!!


..........
أين أنتِ يا ليالي الحلمية؟!!