الجمعة، يناير 01، 2016

0 The Martian: الخيال العلمي كما ينبغي أن يكون!

نبذة دون حرق للأحداث
The Martian أو (المريخي) فيلم خيال علمي أمريكي إنتاج 2015م من إخراج (ريدلي سكوت) ومن بطولة (مات ديمون)، وهو مأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتب (آندي وير). يحكي عن رائد فضاء تركه أفراد بعثته على المريخ اعتقادا منهم بأنه مات أثناء عاصفة مفاجئة، وكان عليه أن يبقى حيا باستخدام الموارد المحدودة لديه؛ حيث لم يكن لديه وسيلة اتصال مع رفاقه أو مع الأرض، وكان عليه انتظار البعثة التالية إلى المريخ المقرر لها – حسب برنامج ناسا – أن تصل بعد أربع سنوات!

تيمة قديمة، في حلة جديدة

تقوم حبكة الفيلم على تيمة (روبنسون كروزو) القديمة: الكارثة التي تجبر البطل على البقاء وحيدا فوق جزيرة منعزلة، وعليه أن يوظف كلا من علمه ومهاراته الشخصية ومكونات البيئة المحيطة ليبقى حيا لأطول فترة ممكنة أملا في نجدة قد لا تأتي أبدا. وهي التيمة نفسها التي أعيد استخدامها بنجاح كبير في فيلم Cast Away برؤية إنسانية أكثر عمقا، الجديد هنا أن الأحداث تدور في جو أكثر إبهارا استبدلت فيه الجزيرة بكوكب مقفر بعيد عن الأرض، وهنا أيضا أثبت صانعو الفيلم أن تكرار التيمة ليس مبررا للفشل، طالما كان الإبداع المدعوم بالعمل المحترف متوافرا!
هذه المرة صارت التحديات مختلفة تبعا للبيئة الجديدة؛ فكان على البطل ليس فقط البحث عن غذاء وماء صالِحَيْن، ولكن توفير الأول في بيئة غير صالحة للحياة، وتخليق الثاني كيميائيا، ثم كان عليه التوصل إلى طريقة للاتصال بالأرض، وبعدها البحث عن مصدر أطول عمرا للطاقة للوصول إلى منطقة هبوط البعثة التالية التي تبعد عن موقعه 3800 كيلو مترا، فضلا عن مشكلات أخرى فرعية عديدة لم تتوقف حتى الدقائق الأخيرة من الفيلم!

الخيال العلمي كما ينبغي أن يكون

أرى أن الفيلم يعتبر نموذجا مثاليا لفئة “الخيال العلمي”، فالمؤلف يبني قصته العلمية على أحداث خيالية، لكنها متسقة مع نظريات حقيقية وقائمة على تقنيات علمية موجودة بالفعل؛ مقدِّما مشكلة متوقعة و”واقعية” – إن جاز التعبير – يمكن أن تقابل العلماء عند تحقيق أحد الأحلام العلمية الحالية، وهو حلم أول هبوط بشري على المريخ، حيث يقوم بدور من أهم أدوار الخيال العلمي، وهو استباق المشكلات التي قد تنتج عن التقدم العلمي في مجال ما ووضع حلول منطقية لها!
الممتع في هذا السياق والجدير بالذكر أن الفيلم لم يقدم – أثناء حل كل العوائق التي قابلت البطل – أية تقنية لا تملكها وكالة (ناسا) في الوقت الحالي؛ فلا أجهزة مستقبلية متطورة، ولا تطبيقات لنظريات علمية ما زالت طور التشكك والإثبات، وهو – في ظني – ما جَرَّأَ صانعي الفيلم على عدم الإشارة إلى أن أحداثه تدور في زمن مستقبلي؛ فاللجوء إلى تصور زمن مستقبلي للفيلم، ليس إلا بسبب خيالية “مكان” المشكلة وليس “زمانها”، بينما جميع مفردات الحل تنتمي إلى زمننا الحاضر!
وكأنهم يقولون – بلسان الحال -:...

اقرأ المقال كاملا على موقع ساسة بوست من هنــــــــا

الجمعة، مارس 13، 2015

0 The Maze Runner.. عبودية آمنة أم حرية بطعم الموت؟!





“عَدَّاء المتاهة” فيلم أمريكي إنتاج 2014م، وهو – توافقًا مع موضة هوليوودية سادت في السنوات الأخيرة – من بطولة مجموعة من المراهقين دون أي أسماء كبيرة (تسند) الفيلم، وأعتقد أنه من أفضل ما تم تقديمه في هذه الفئة من الأفلام.
.
تبدأ الأحداث – التي تدور في إطار من خيال علمي تطغى عليه الحركة والإثارة – بالبطل وهو يستيقظ داخل مصعد يخرج من باطن الأرض ليجد في استقباله مجموعة كبيرة من المراهقين، يعرف منهم أنهم مسجونون في هذا المكان منذ ثلاث سنوات، وأن كلاً منهم مثله تمامًا فاقد للذاكرة.
.
البطل (توماس) – الذي يتذكر اسمه لاحقًا – بمصاحبة (ألبي) قائد المكان وأقدم قاطنيه يتعرف تدريجيًا على تفاصيل هذا المكان العجيب؛ فيكتشف أنه عبارة عن مساحة شاسعة من الأرض محاطة بجدران شاهقة الارتفاع، وفي كل شهر ينضم زائرٌ جديدٌ عبر ذلك المصعد الغامض. وقد استطاع هذا المجتمع الصغير أن يتكيف مع حياته في هذه الأرض – التي تسمى (جلايد) – ببناء البيوت البسيطة والأسلحة البدائية من أخشاب الغابة وتوفير الطعام بالزراعة المعتمدة على الأمطار. فضلاً عن أن ما يحتاجونه ولا يستطيعون توفيره مثل الأدوية يجدونه في صناديق لا يعرفون كيف تظهر لهم كل حين، وصار لهم قواعد صارمة يتقيد بها الجميع؛ أهمها “عدم الاقتراب من الجدران”.
.
ولكي تكتمل جوانب المشهد، الذي يدل بوضوح على أنهم مجرد فئران في تجربة ما أو لعبة ما يسيطر عليها صانعو هذا المكان، تنفرج الجدران كل 24 ساعة عن فتحة تفضي إلى متاهة عملاقة ذات جدران بنفس الارتفاع الشاهق.
.
بالبطع في أمل للوصول إلى الحرية، حاول شعب (جلايد) كثيرًا أن يحلوا لغز المتاهة – التي تقول لهم كل يوم: (هلموا إليّ فأنا أتحداكم)، عن طريق مجموعة مميزة منهم تتصف بقدرات بدنية وعقلية أفضل من الآخرين يطلق عليهم (العدَّاؤون)، (Runners). أولئك الذين يستطيعون الركض بسرعة كبيرة مع اتقاد ذهن لحفظ ما يتم كشفه من المتاهة لرسم خريطة تدريجية توضح تفاصيلها، ولا بد أن يكونوا ذوي قدرات قتالية؛ لأن من لا يستطيع منهم العودة قبل أن تغلق المتاهة بوابتها يضطر للمكوث في الداخل ليلة كاملة، لكنه يضطر أيضًا لمواجهة كائنات مفترسة تتجول هناك – افترست بعض العدائين سابقًا بالفعل – يطلقون عليها اسم (جريدز).
.
ومن خلال تتابع الأحداث نتعرف على.......

اقرأ المقال كاملا من هنا

الخميس، يناير 01، 2015

0 نوح ليس نوحا.. وموسى ليس موسى!!




يبدو من القصة في كل من فيلم "نوح" Noah وفيلم "الخروج" Exodus وكأن المؤلفين يريدان أن يرسخا قاعدة تبيح لكل أحد أن يتلاعب في أحداث التاريخ وفقا لرؤيته وللقيم أو الأفكار التي يدعو إليها، بحيث ألا يكون هناك أية ثوابت تاريخية يمكن الارتكاز عليها حتى لو كانت مما ورد في الكتب المقدسة، وربما يكون المقصود هو: بالذات تلك التي وردت في الكتب المقدسة..!!




فيما سبق كان من الطبيعي أن نتفهم الاختلاف الوارد في أحداث قصة نبي من الأنبياء في أحد الأفلام الغربية على أساس أنه هناك بالفعل اختلافات في كثير من التفاصيل بين ما ورد في القرآن الكريم وما ورد في كتبهم نتيجة لما أصاب تلك الكتب من تحريف..
لكن الغريب والجديد أنه بدا لي من أحداث الفيلمين وكأن المؤلفَّيْن يصران على أن يأتيا بأحداث لم ترد نهائيا في أي كتاب مقدس أو بتفسيرات مختلفة للأحداث الحقيقية.. وكأن الهدف هو ضرب مبدأ المعتقد الديني في حد ذاته.. بل الأدهى - وهو ما كان واضحا جدا في فيلم "نوح" - هو تحويل قصص الأنبياء - التي يستند فيها دعاة الحق إلى الإله الذي أرسلهم إلى الناس لهدايتهم - إلى نوع من فانتازيا الصراع الإغريقية التي تتمحور بدرجة كبيرة على الصراع والندية الدائمة بين الإنسان والآلهة..!! 

يعني باختصار إن أردت مشاهدة أحد هذين الفيلمين، فانسَ مبدئيا أنك ستشاهد فيلم عن إحدى قصص الأنبياء التي تعرفها.. واستعد لساعتين من الإبهار البصري مع قصة مسلية وربما مع موسيقى تصويرية ممتعة وإضاءة وألوان مميزة مع زوايا كاميرا غير تقليدية.... فقط!

السبت، أبريل 28، 2012

14 نقد لروايتي الأخيرة: (وداعا للسيد)



أسعدتني كلماته هذا الصباح.. فرأيت أن أشارك فيها الأصدقاء..

مع كامل شكري وتقديري لسطوره الراقية والموضوعية..

إنه نقد كتبه أخي الحبيب بهاء طلعتحول روايتي الأخيرة (وداعا للسيد)..

وأحب أن أضيف هنا ما نسيته عند تعليقي في مدونته..

أعجبتني مهارته حين تكلم عن الرواية بما لا يحرق الأحداث.. بل لعله زاد من تشويق القراء لقراءتها....

بس والله مش دافعله حاجة :) 


أترككم مع كلمات أخي بهاء...

* * * * *

رحلة السفر من الدوحة إلى شنغهاي تستغرق أكثر من ثمانية ساعات، وهو وقت كاف جدا لقراءة رواية مثل رواية "وداعا للسيد" للكاتب المبدع "الأستاذ/ ماجد القاضي"، لاسيما مع الحاجة للبقاء مستيقظا لأسباب ليس مجالها الآن.

1. غلاف الرواية جاء يغلب عليه اللون الأسود (وهو لوني المفضل)، ولكنني شعرت بأن رواية إسلامية قد تكون بحاجة لعوامل جذب للقارئ ليس من بينها اختيار اللون الأسود ليغلب على الغلاف (رأي شخصي). 

2. عنوان الرواية "وداعا للسيد" جاء غريبا، والمعروف عن الأستاذ/ ماجد القاضي اعتناؤه الشديد باختيار العناوين وأساليب التورية وإجادة استخدام الألفاظ في التلاعب بخيال القارئ، غير أن هذا العنوان لم أجد له ارتياحا في نفسي ولا أستطيع أن أقول أن هذا العنوان يعتبر عامل جذب للرواية. (رأي شخصي أيضا). 

3. القصة في مجملها هي قصة إسلامية رائعة، تشد خيال القارئ إلى عصر من عصور الإسلام الأولى، وتجيب (كما أشار المؤلف) عن تساؤل مهم وهو كيف انتشر هذا الدين ورجاله في الأرض بهذه السرعة في سنوات لا تكاد تذكر في عمر الزمن، واختيار موضوع الرواية هو نقطة البداية لسلسلة من الإبداعات أتحفنا بها الكاتب. 

4. أسلوب الكاتب اتسم بالتشويق والإثارة، وهو ما أعطى قدرا من الإمتاع للقارئ الذي يمل عادة من قراءة التاريخ الإسلامي (وللأسف)، ونجح بهذا الأسلوب في مخاطبة شريحة من القراء لا تميل إلى قراءة هذه النوعية من الروايات، شيء ما شعرت به وأنا أقرأ الرواية حيث ذكرني الأسلوب المستخدم بأسلوب سلسلة الروايات الشهيرة "رجل المستحيل". 

5. نجح الكاتب نجاحا مذهلا في انتقاء الألفاظ، وهو أمر تعودته من خلال قراءتي لتدوينات الأستاذ/ ماجد القاضي في مدونته "هكذا عاملتني الحياة"، ولكن الروعة كانت في خلو الكتاب بالكامل (تقريبا) من أي خطأ إملائي. 

6. العاطفة (أو الوجدان) جاء قويا ومتناسبا مع أسلوب الإثارة الذي اختاره الكاتب لروايته، ونجح الكاتب عبر كثير من المشاهد في إخراج الكثير من الانفعالات في صورة مثالية، وعلى سبيل المثال مشهد حوار القيصر مع مستشاريه قبل أن يدخل عليهم "سبارتان" ليفجر في وجوههم جميعا مفاجأة بكلماته القوية ومنطقه السليم، وكذلك مشهد إلقاء "حكيم" في قدر الأحماض. 

7. نجح الكاتب في إخراج مشهد دخول الغانية على بطل القصة بحرفية شديدة، وقد شد انتباهي ذلك النجاح في اختياره للألفاظ والأوصاف وهو يتحدث عن مشهد شائك طالما ابتذله الكتاب وأفلام التلفزيون ليصلوا به إلى حد المشاهد الإباحية، ولكننا هنا أمام صياغة رائعة لهذا المشهد بدون إسفاف أو تعدي على أي من ثوابتنا الدينية في نفس الوقت الذي نجا فيه من السقوط في فخ الإخلال، والحقيقة أنني قلما قرأت مشهدا كهذا بدون إسفاف أو إخلال. 

8. طباعة الكتاب جاءت فاخرة، سواء كان ورق الكتاب أو الغلاف أو حتى الأحبار والألوان المستخدمة، فتحية لدار النشر. 

وتبقى ملاحظة..

هذه النوعية من الكتب تبقى بعيدة عن اختيار الكثير من قراء هذه الأيام وللأسف، نظرا لما أشرت إليه من ضعف الإقبال على القصص والروايات التاريخية وبالذات الدينية منها، وإن كانت رواية كتلك التي كتبها الأستاذ/ ماجد القاضي قد نجحت في حيازة إعجاب شخص مولع أساسا بهذا النوع من الأدب، فإنني أتمنى أن أرى لها نقدا من أحد ممن لا يحبون قراءة هذا النوع من الأدب، وأظن أن الرواية ستحوز إعجابه أيضا...
أحسنت.. ماجد القاضي.

الأحد، فبراير 26، 2012

36 عبارات هوليودية(19): قنابل في حياتي..!!


"كلنا يمضي برتابة في حياته يوما بعد يوم.. حتى يُلقي أحدهم قنبلة عليها..!"
[أحد أبطال فيلم: Big Trouble]



أنت مثلي بالتأكيد.. مررتَ بأكثر من نقطة تحول في حياتك..
ماذا كانت الأسباب؟ بالتأكيد لا أعرف في حالتك..
لكن في حالتي كانت الأسباب تتنوع وتختلف...

فمرة كانت نقطة التحول "جملة عابرة" ألقاها شخصٌ ما غيرَ شاعرٍ بأثرها عليَّ الذي سيكون..
وخير مثال على ذلك تلك العبارة التي ألقاها أمامي ذلك الشاب المستهتر منذ 17 عاما عندما تعنَّتُّ في تطبيق لائحة النظام عليه؛ حيث صرخ في وجهي: "القوانين تحترم.. لكنها لا تُعبد".. جملة عابرة.. لكنها رجت قناعاتي وعدلت مفاهيمي حول كيفية التعامل مع النظم والقوانين إلى الأبد، فتحولت من منفذ صارم للقانون مهما سببتُ من ألم للآخرين (تماما كالضابط "جافير" في رواية "البؤساء") إلى باحث عن روح القانون ومقاصده للوصول من بين ثناياه إلى سبل الرحمة فيه قبل طرق العقاب..!

وتارة كانت نقطة التحول "حَدَثا عارضا" يجري أمام عينيّ في لحظة كانت فيها النفس صافية والعقل مهيأً للاستقبال..
مثال ذلك الموقف الذي دار بين مدرس زميل وأحد طلابه.. حيث أصر فيه المدرس على ضرب الطالب غير عابءٍ باستجداءاته والدموع التي تنهمر غزيرة بقهر وألم مزقا نياط قلبي.. لم يكن الموقف يستحق ذلك.. لكن المدرس أصر على الاستمرار ناسيا أن العقاب غرضه التأديب لا الانتقام.. لم ينمحي ذلك المشهد من ذاكرتي وظل عالقا بها.. بل صار هو الكابح الأول لي عند الشروع في عقاب أحد تلاميذي..!

وحينا كانت نقطة التحول "تجربة قاسية" أصرت الأيام من خلالها ألا تتركني في صفوف المشاهدين، بل جعلتني بطلها ومحورها والذائق الوحيد لمرارتها..
ومثال ذلك تجربتي العنيفة مع مدير العمل - في بداية حياتي العملية - التي أعماني فيها الغضب عن إبصار الصواب ودفعني إلى اتخاذ قرار كان يمكن أن أندم عليه طويلا لولا أن تغمدني الله برحمة من عنده.. هذه التجربة صارت سببا في قدرتي بعد ذلك على التحكم في غضبي بحيث لا أتخذ قرارا خلاله أبدا..!

صحيح أن تلك الأسباب اختلفت في قوتها..
لكنها اتفقت - بلا ريب - في تأثيرها عليّ...
كانت جميعها بمثابة قنابل ألقِيت على حياتي؛ فسببت فيها ما يمكن أن أسميه: "فوضى خلاقة"..!!


* * * * *

وأنت...
ألا تشاركنا بقنابل من حياتك؟!! 

الخميس، يناير 12، 2012

29 صديقتي (وِلسون)..!


قبل أن تظن بي الظنون، أو تنعتني بالمتغرب المتفرنج انتظر قليلا وسأشرح لك الموضوع من بدايته..

    لسبب ما - ستعرفه - استعدت بذاكرتي مشاهد فيلم Cast Away للممثل المميز (توم هانكس) الذي شاهدتُه منذ عدة أعوام.. وفيه نرى البطل وقد انتقل بتصاريف القدر - بين عشية وضحاها - من قمة المدَنِيَّة الحديثة بكل رفاهيتها (ممثَّلَة في عمله مديرا بإحدى الشركات الأمريكية الكبرى) إلى قمة البدائية (ممثلة في جزيرة معزولة في المحيط)؛ وذلك بعد سقوط طائرته ونجاته منفردا من بين كل طاقمها..!
    وعبر سيناريو نادر الكلمات - لكنه رائع التصوير- يُبْرِز الفيلم لنا عدة معانٍ قيِّمة في الحياة..
    من أهمها - في رأيي - ألا نركن إلى حال في هذه الدنيا فليس فيها شيء مضمون أبدا، وأن علينا أن نُعِدَّ أنفسنا للأسوء مهما كنا نرفل في رفاهة من العيش..! ومنها - وهو ما أُعنى به في هذه الومضة - أن علاقاتنا بالآخرين هي إحدى ضرورات الحياة، واحتياجنا لعلاقة ما بآخر - مهما كان شكلها - هي من طبائعنا التي جُبلنا عليها كَبَشَر..
    وقد أشار الفيلم إلى تلك الحقيقة وصورها بمثال رائع جاء مؤثرا بشدة.. فالبطل تمر عليه أسابيع طوال من الوحدة المملة الخانقة في الجزيرة، وكان من المخلفات التي التقطها من حطام الطائرة - على غرار ما فعل (روبنسون كروزو) مع حطام سفينته - كرةٌ جديدة، وفي لحظة ضيق أمسك الكرة بيد مجروحة ملوثة بالدم ليلقيها بعيدا بكل غضب، فإذا بدمائه ترسم على الكرة - بعشوائية - شكلا أقرب للوجه البشري؛ فبدت للبطل - ولنا - وكأنها شخص له كيان يتطلع إليه بصمت من بعيد..


ومع مرور الوقت -ومع التأكد من عدم وجود بشر على الجزيرة مع اليأس من وصول نجدة إليها- اتخذ البطل تلك الكرة (ذات الوجه البشري) صديقا يشاوره في أموره.. ويبثه همومه.. وفي لحظات الصفاء يريه صورة حبيبته ويحدثه عنها وعن أحلامهما سويا..! ولمزيد من التصديق (ليصدق هو نفسه بدلا من أن يجن) أطلق على (صديقه) اسم (ولسون)..!
    وتتوالى الأحداث.. وعند محاولة البطل مغادرة الجزيرة إذا بـ(ولسون) يسقط في الماء وتجرفه الأمواج الهائجة بعيدا عن الطَوْف الذي يركبه البطل.. وهنا نتأكد من مدى قوة (العلاقة) التي نشأت بينهما - بل مدى تصديق البطل لهذه العلاقة - عندما قفز في الماء متحديا الأمواج العاتية ومغامرا بحياته نفسها.. فقط لينقذ (ولسون)..!!


    القصة تمثل تجربة ثرية ذات أبعاد إنسانية لأقصى درجة..
    يومها -رغم تأثري- ابتسمت بشبه تهكم من تلك العلاقة الغريبة..! 
    ومرت الأيام...


    وأتى عَلَيَّ حين من الدهر عشتُ فيه - وما زلت - وحيدا بعيدا عن أسرتي ووطني.. ورغم وجودي في بلد عربي مسلم وإحاطتي بعدد كبير من الزملاء والرفاق.. إلا أنني في الغربة كثيرُ المعارف شحيحُ الصداقات.. أفتقر فيها لأقرب ثلاثة إلى قلبي.. لذا تجدني - حين يواجهني موقف عصيب أو تجربة قاسية - أعتزل المحيطين بي لأنطلق -لا ألوي على شيء - بسيارتي الجيب .. تلك العزيزة المريحة التي تتحمل قيادتي الصعبة وقسوتي عليها أحيانا.. كما أقضي بداخلها ساعات من التأمل أو الحزن أو الشوق أو الفرح.. وكما اتسعت لأغراضي مهما ثقلت فإنها صارت أيضا تتسع لآمالي وأحزاني وأشواقي.. وكم شَهِدَت تنهداتي وآهاتي ودموعي و-أيضا- ابتساماتي..!
    وفي أحد الأيام أضاءت هذه الومضة - أو لحظة التنوير - الجديدة.. فقد فوجئتُ بنفسي وقد استغرقتُ في حديث طويل مع سيارتي.. أشاورها في أموري.. وأبثها همومي.. وأسترجع معها لحظات سعادتي مع زوجتي وبنتَيَّ وآلام الشوق إليهن...!!
    هنا قفزت أمامي أحداث الفيلم كلها..وبعد لحظات من الصمت المشدوه.. انفجرت في ضحكات عالية تفوح منها رائحة الجنون.. ثم ربتُّ على (تابلوه) سيارتي الحبيبة، وقلت لها وأنا أنطلق بها: هيا بنا يا صديقتي.... (ولسون)!!!
_________________
تذييل لا بد منه:
هذا الموقف كان منذ أكثر من عام.. لكن ظروفي النفسية الآن صارت - بفضل من الله ونعمة - أفضل بعشرات المرات.. ولهذا أرى أن من أجمل فوائد المدونة التأريخ .. لا أقول للأحداث.. بل لمشاعرنا.. لنرى من حين لآخر كم نتغير.. وكم تغيرنا الأيام.. وكم هي نعم الله علينا بهذا التغيير...!

الاثنين، يناير 09، 2012

22 فلنسخر من مرضى القلب والكبد..!!



هل صدمك العنوان؟
لقد صدمني أنا أيضا..!
نعم.. ففي لحظة تنوير فوجئت أنني وأنت - ومعنا المجتمع في غالبه- نسخر ممن هم على شاكلتهم!!
ممن يشتركون معهم في أنهم... مرضى!
إنهم المجانين.. أولئك الذين نقول عنهم: أنهم.. في نعيم (!!!)


فهل حقا هم في نعيم؟
هل الذي حُرم أعظم نعمة منَّ الله عليه بها يُعَّدُّ في نعيم! بل هو الجحيم..
أليس جحيما أن تعيش وحيدا بين الناس؟!
أليس جحيما أن تتألم ليل نهار وأنت ترى عوالم وأشخاص وأحداث.. يؤكد لك عقلك أنها حقائق على حين يقسم المحيطون بك أنك لا ترى إلا سرابا وهذيانا؟! فإن لم يسخروا منك فلا تحَصِّلَ منهم - على أقصى تقدير - سوى نظرات الشفقة!
هل جربت أن ترى أحد أحبائك المقربين الذي كان مِلْءَ السمع والبصر في رجاحة العقل وقد فقد ذلك العقل وجلس أمامك ذاهلا زائغ النظرات حائرها؛ لأنك لا تصدق ما يرى ولا تسمع ما يسمع ولا تشعر بما به يشعر؟!


ما الفرق إذن بين مريض القلب والكبد ومريض الجنون؟!
أعتقد أن الفرق بيِّن؛ فمريض القلب أو الكبد يحظى بالرعاية والمساعدة ممن حوله.. بينما يحظى مريض الجنون بالرعاية من أهله وذويه ويحظى فوقها بالسخرية من المجتمع في ظاهرة قميئة يتولى كِبْرَها إعلامنا غير المبالي وغير المسئول حينما يصر - عبر عشرات الأفلام والمسلسلات والمسرحيات - على تقديم عالم المجانين في ذلك القالب الهازئ الساخر..!


فإذا كنا نُصِرُّ على مجاراته في هذه السخرية، فلنسخر إذن من مرضى القلب والكبد!!

الأحد، أكتوبر 16، 2011

41 إعلان ببلاش(4): الرواية الجديدة



قريبا جدا.. تصدر الرواية الجديدة (إصدارا) القديمة (كتابة) عن دار ليلى للنشر.. والمفترض بإذن الله أن تلحق بمعرض الكتاب القادم..!

رواية تاريخية هي.. ويظهر فيها هروبي الدائم من (الحاضر).. فرواياتي كلها ما بين تاريخية (هروب إلى الماضي).. أو من الخيال العلمي (هروب إلى المستقبل).. ولم أجرؤ بعد على الكتابة الروائية عن حياتنا الآنية.. ولكن أتمنى ذلك بشوق كبير...!!  

* * * * *

عنوان الرواية:

وداعا للسيد..!

وهذا هو نص الغلاف الخلفي: 

"هذه الرواية..

تجيب عن أكبر لغز حَيَّرَ المؤرخين عبر التاريخ...
كيف استطاع رعاة الإبل والشاة أن ينتظموا في كتلة بشرية متماسكة، ثم ينطلقوا كالسيل الجارف يكتسحون قوى الظلم؛ ليواجهوا أكبر إمبراطوريتين في العالم في نفس الوقت؟!!
كيف تمكنوا - في غفلة من الزمن - أن يُخضِعوا إحدى هاتين الإمبراطوريتين لسلطانهم، ويُنهوا وجود الأخرى من جزيرتهم إلى الأبد؟!!

هذه الرواية..

تستدعي من تاريخنا حدثا فريدا من نوعه؛ لتسلط عليه الضوء، وتغوص في أعماق شخصياته وتحللها؛ لتقدم بشكل جديد تفسيرا منطقيا مقنعا للأفعال وردود الأفعال، فتجدد الحدث التاريخي التقليدي لتقدمه بشكل غير تقليدي تختلط فيه الإفادة بالإمتاع..!

هذه الرواية..

تقدم إثباتا جديداعلى أنه ليس بالسيوف وحدها أَذَلَّ أجدادُنا جبابرة الأرض في زمانهم؟!!

كل ذلك.. في قالب قصصي جذاب، وحوار متلاحق شديد الإمتاع، ولغة قوية وسهلة في الآن ذاته، وأحداث مشوقة تأسر القارئ منذ السطور الأولى إلى الكلمة الأخيرة..!"

بالمناسبة.. العبارة الأخيرة ليست رأيي الشخصي وإنما هي خلاصة آراء من قرؤوا الرواية من النقاد أو الناشرين ولله الحمد.. ولكن كل رجائي أن يكون هذا رأي قرائي كذلك.. اللهم آمين.

* * * * *

وهذا هو الكتاب الأول الذي لم أصمم غلافه بنفسي؛ إذ رأيتُ لسبب ما أن أجرب تصميما خارجيا هذه المرة.. وهذا هو الغلاف المقترح من الدار.. أرجو أن تشرفوني بآرائكم فيه قبل أن (أعطيهم الأوكيه!)...


دمتم سالمين. 

الأربعاء، أكتوبر 12، 2011

26 عبارات هوليودية(17): بين الكبرياء والثقة..!


بين الكبرياء والثقة..!


"الكبرياء دعامة من يفتقر للثقة"
[سائق الشاحنة يعلق على مناقشة بين البطلين؛ حيث يرفض الزوج - بكبرياء - المساعدة من والد زوجته]

أعتقد أن هذه العبارة ليست صحيحة على الدوام.. لكنها أخذت مكانها بين عباراتي لأنها استجلبت بقوة من ذاكرتي تجربة قديمة؛ فوصَفَتْها واختزَلَتْها بكل دقة في تلك الكلمات المعدودة..!
كنا في بداية المرحلة الجامعية.. بعضنا نفوس لم تستعد توازنها بعد من جراء معركة (الثانوية العامة).. وبعضنا أنفاس مبهورة بعالمٍ جديد..
لكن الجميع يتخبط في محاولات مستميتة لفهم واستيعاب طبيعة الدراسة في كليتي العملية المشهورة بصعوبتها!!
وعبر كل هذا الصخب.. ظهرت هي فجأة..
جميلة.. وغامضة.. لا أحد يعرفها.. من أين جاءت..؟ ولماذا ظهرت الآن؟!
وباءت محاولات بعض الزملاء في التودد إليها أو التعرف عليها بالفشل..
وبطبيعة الحال ساد وصفها بين الزملاء بالمتكبرة والمغرورة وغيرها من الصفات الشبيهة..!
لكن حَدَثا - ليس لي يد فيه - دفعها فجأة في طريقي..(1)
أنا بالذات..!!
اندهشتُ لأنني لم أكن ممن حاولوا التقرب إليها.. بل إنني لم أنتبه حتى إلى وجودها من الأساس..! فلم يكن التودد إلى الفتيات من مبادئي، ناهيك عن انشغالي التام بتجاوز تلك المرحلة العصيبة من التأقلم مع الدراسة والتي زامنها بقايا أزمة نفسية قريبة لم أتجاوزها بعد..!
لكن رغما عني.. عرفتُ الكثير عنها...!
من أين جاءت.. مَن أهلُها.. مَن أصدقاؤها.. كيف تعيش.. ذكرياتها.. أحلامها.. قناعاتها..!!!
فرصة لم أطلبها كشفت لي مكنوناتها..!
لكن أهم ما أثار اهتمامي في كل هذا اكتشافي أنها لم تكن أبدا تلك المتكبرة المغرورة، وإدراكي سببَ تلك الهالة من الجمود والغموض التي أحاطت بها وحجبتها عن الآخرين..!!!
وعندما غابت فجأة كما ظهرت فجأة.. لم يبقَ من ذكراها سوى تلك الحقيقة التي اكتشفتُها والتي استخرجَتْها تلك العبارة:
بعض الواهنين الذين دفَعَتْهُم صروف القدر وتقلبات الأيام إلى افتقار الثقة في أنفسهم أو في الآخرين لا يجدون سوى الترفُّع المصطنع أو التكبر المزعوم؛ ليكون لهم درعا يحمون به هشاشتهم، ويحتمون خلفه من محاولات الآخرين لاختراقهم..!!!
____________
(1) ربما أذكره يوما في "مذكرات طالب حيوان".

الأحد، أكتوبر 09، 2011

19 من قصصي(1): عيـن من السمـاء..!


عيـن من السمـاء
نشرت هذه القصة منذ بضع سنين في جريدة آفاق عربية (المصرية) ومجلة ولدي (الكويتية)
_______________

أخذ يتحسس تلك الحافظة التي انتشلها من راكب في إحدى الحافلات قبل أن يقفز منها، وهم أن يفتحها لاستكشاف محتوياتها، لكن سرعان ما بدت له هذه الفكرة غير صائبة على الإطلاق.. كان قريبا من جمع من الناس يقفون أمام إحدى الحدائق العامة، وقد شعر أنهم ينظرون إليه بنظرات الشك والاتهام؛ وكأنهم يعلمون ما اقترفه منذ قليل..!

وبعد لحظة من التفكير، قرر الدخول إلى الحديقة؛ ليرتاح من عناء العمل طوال النهار، ولم يلبث بالفعل أن ابتاع إحدى تذاكر الدخول، وما إن دخل إلى الحديقة حتى اتجه إلى ركنٍ منزوٍ فيها، وجلس على أحد المقاعد الحجرية، ثم أخرج الحافظة - بلهفة - ليفتحها ويعرف محتوياتها، لكنها.. كانت خاوية!!
أصيب بالإحباط والضيق لبعض الوقت، لكنه تناسى الأمر سريعا؛ فليست المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف..
وأخذ يبدد السأم بالتجوال ببصره في أرجاء الحديقة، وابتسم - مرغما - وهو يشاهد أولئك الأطفال الذين يمرحون ببراءة، وتتعالى أصواتهم في مشاجرات حامية تمثل لهم أهم مشاكل الحياة في تلك اللحظات..

أثناء ذلك، كانت نظراته اللامبالية تطوف بالمكان عندما وقع بصره فجأة على مشهد جعله يلتفت إليه بكل كيانه، بل وينهض واقفا، ثم يتجه نحوه..!
كان مشهد سيدة عجوز - تنطق ملابسها الفاخرة بثرائها - وهي تطعم طفلا صغيرا يجلس في عربة أطفال أمامها.. ليس هذا ما أثار انتباهه في حد ذاته؛ وإنما تلك الحقيبة التي تضعها على المقعد الحجري بالقرب منها، وتوليها ظهرها أثناء انهماكها التام في إطعام الطفل..!
ووجد نفسه قد اقترب بالفعل، وبخفة وحذر قط يهم بسرقة قطعة لحم جلس على المقعد، وامتدت يده بسرعة - وبصوت منعدم تقريبا - نحو الحقيبة، في الوقت نفسه الذي أخذت فيه عيناه تجولان في المكان للتأكد من أن أحدا لا يراه..
ولكن...

يبدو أن مهنته أكسبت يده سرعة تفوق سرعة دوران عينيه في محجريهما؛ ففي اللحظة التي استطاع فيها معالجة قفل الحقيبة وفتحها بالفعل، وقع ناظره على عينين حادتين تحدقان فيه، يعلوهما حاجبان كثان منعقدان في صرامة، وبِرَدِّ فعلٍ طبيعي سحب يده من الحقيبة بحدة، وبنفس الحذر والصوت المنعدم؛ لئلا تنتبه إليه السيدة..


وكاد ينهض ويسرع مبتعدا عن المكان، لولا أن ابتعدت عنه عينا ذلك الرجل الجالس على أحد المقاعد القريبة المقابلة له..
تنفس الصعداء عندما انتقل الرجل بناظريه بعيدا؛ مما أشعره بأن ذلك الأخير لم يلحظ حركة يده؛ فقفزت يده بخفة ثانية نحو الحقيبة - التي صارت مفتوحة هذه المرة - وقلبت محتوياتها بسرعة فائقة لتتوقف عند إحداها..! كاد يقفز فرحا وهو يتحسس تلك الرزمة المالية التي قدر أنها تتخطى الأربعة آلاف من الجنيهات - كما يبدو من سمكها ومساحة أوراقها -، وقبض بيده على الرزمة المالية، وهم بإخراجها، ولكن..!
خفق قلبه فجأة بشدة بين ضلوعه..
لقد كان الرجل ينظر إليه هذه المرة.. لم يعد يشك في ذلك.. إذ رآه يحدق فيه وقد ازداد حاجباه انعقادا، وكأنه يقول له - في صمت - وبلهجة معاتبة:
- ألم أحذرك في المرة الأولى؟

لكن ما أدهشه أن رد فعله كان على عكس المرة السابقة تماما؛ إذ فوجئ بيده تتصلب داخل الحقيبة حول الرزمة المالية وقد بدأ العرق يتصبب على جبهته..
كان يشعر بخوف مبهم..!
خوف عجيب لم يشعر بمثله من قبل مع هاتين العينين الحادتين ونظراتهما النافذة التي نفذت إلى أعماقه لتعبث بقلبه وتجعله يخفق بعنف، حتى كاد يسمع صوت ضرباته اللاهثة..!
ومضت بضع ثوان على هذا المشهد الصامت، مرت عليه كساعات طوال، لم ينتبه خلالها إلى أي شيء حوله، حتى تناهى فجأة إلى سمعه صوت طفلة صغيرة تهتف بمرح:
- أبى.. هيا لنرحل، لقد حضرت أمي.
ورأى الطفلة وهي تقترب من ذلك الرجل، وكأن قدومها كان المنقذ له؛ فما إن التفت الرجل إلى الطفلة حتى ترك هو الرزمة المالية على الفور دون أن يعلم سببا لذلك، وانتزع يده من الحقيبة انتزاعا، متخليا عن حذره المعتاد..!

واجتمعت مشاعر الرهبة والخوف والتوتر بداخله؛ ليخرجها في زفرة ارتياح حارة.. وما إن فعل حتى التفتت العجوز إليه، وحركت ناظريها بينه وبين حقيبتها المفتوحة في شك وارتياب، فلم يسعه إلا أن قال لها بكلمات متعثرة:
- لقد.. لقد أردت تنبيهك إلى أن الحقيبة مفتوحة.
لم تزايلها نظرة الارتياب وهي تنظر إلى داخل الحقيبة، وعندما وجدت أن الرزمة المالية ما زالت موجودة بدا بعض الارتياح على وجهها، وهى تشكره على فعله.

وتذكر هو بغتة ذلك الرجل..
والتفت نحوه..
وكان ما فاجأه وجعل حدقتاه تتسعان ذهولا..
مشهد الرجل وهو يسير ببطء بجوار الطفلة قابضا على يدها بإحدى يديه، بينما يتحسس الطريق بواسطة عصا يمسكها بيده الأخرى.. تلك العصا التي لم ينتبه إلى استناد الرجل إليها طوال الوقت..!
نعم.. كان الرجل ضريرا.. فهو لم يره قط..!
حتى عندما نظر إليه.. كانت مصادفة.. مجرد مصادفة..!
ونهض واقفا في غضب، وكادت تقفز من عينيه دموع القهر وهو يرى الرجل يبتعد مسترشدا بابنته في السير..
راح يراقبهما بضع لحظات بعمق..

وهنا.. توقفت دموعه الغاضبة فجأة قبل أن تنحدر على وجنتيه..
لقد بزغت ومضة ما في عقله، لم تلبث أن انتشرت وأضاءت كل ركن في جسده وهو يسترجع كل ما حدث منذ ما يقل عن الدقيقتين..
وصرخ في أعماقه:
- يا إلهي.. لم تكن نظرات الرجل مصادفة.. لم تكن كذلك على الإطلاق..!
ثم أخذ يبتعد عن المرأة العجوز في سعادة متناهية؛ لأنه لم يحصل على المال...
لقد انفتح عقله المغلق فجأة وفهم الأمر على حقيقته..
فهم سبب ملاحقة نظرات الرجل له.. وعرف سر حدتها.. وسر الخوف العجيب الذي أصابه من جرائها ودفعها إلى ترك النقود..
إن عينيْ الرجل لم تنظرا إليه قط، بل كانت عينا أخرى..
عينا من السماء!