الأحد، أكتوبر 16، 2011

41 إعلان ببلاش(4): الرواية الجديدة



قريبا جدا.. تصدر الرواية الجديدة (إصدارا) القديمة (كتابة) عن دار ليلى للنشر.. والمفترض بإذن الله أن تلحق بمعرض الكتاب القادم..!

رواية تاريخية هي.. ويظهر فيها هروبي الدائم من (الحاضر).. فرواياتي كلها ما بين تاريخية (هروب إلى الماضي).. أو من الخيال العلمي (هروب إلى المستقبل).. ولم أجرؤ بعد على الكتابة الروائية عن حياتنا الآنية.. ولكن أتمنى ذلك بشوق كبير...!!  

* * * * *

عنوان الرواية:

وداعا للسيد..!

وهذا هو نص الغلاف الخلفي: 

"هذه الرواية..

تجيب عن أكبر لغز حَيَّرَ المؤرخين عبر التاريخ...
كيف استطاع رعاة الإبل والشاة أن ينتظموا في كتلة بشرية متماسكة، ثم ينطلقوا كالسيل الجارف يكتسحون قوى الظلم؛ ليواجهوا أكبر إمبراطوريتين في العالم في نفس الوقت؟!!
كيف تمكنوا - في غفلة من الزمن - أن يُخضِعوا إحدى هاتين الإمبراطوريتين لسلطانهم، ويُنهوا وجود الأخرى من جزيرتهم إلى الأبد؟!!

هذه الرواية..

تستدعي من تاريخنا حدثا فريدا من نوعه؛ لتسلط عليه الضوء، وتغوص في أعماق شخصياته وتحللها؛ لتقدم بشكل جديد تفسيرا منطقيا مقنعا للأفعال وردود الأفعال، فتجدد الحدث التاريخي التقليدي لتقدمه بشكل غير تقليدي تختلط فيه الإفادة بالإمتاع..!

هذه الرواية..

تقدم إثباتا جديداعلى أنه ليس بالسيوف وحدها أَذَلَّ أجدادُنا جبابرة الأرض في زمانهم؟!!

كل ذلك.. في قالب قصصي جذاب، وحوار متلاحق شديد الإمتاع، ولغة قوية وسهلة في الآن ذاته، وأحداث مشوقة تأسر القارئ منذ السطور الأولى إلى الكلمة الأخيرة..!"

بالمناسبة.. العبارة الأخيرة ليست رأيي الشخصي وإنما هي خلاصة آراء من قرؤوا الرواية من النقاد أو الناشرين ولله الحمد.. ولكن كل رجائي أن يكون هذا رأي قرائي كذلك.. اللهم آمين.

* * * * *

وهذا هو الكتاب الأول الذي لم أصمم غلافه بنفسي؛ إذ رأيتُ لسبب ما أن أجرب تصميما خارجيا هذه المرة.. وهذا هو الغلاف المقترح من الدار.. أرجو أن تشرفوني بآرائكم فيه قبل أن (أعطيهم الأوكيه!)...


دمتم سالمين. 

الأربعاء، أكتوبر 12، 2011

26 عبارات هوليودية(17): بين الكبرياء والثقة..!


بين الكبرياء والثقة..!


"الكبرياء دعامة من يفتقر للثقة"
[سائق الشاحنة يعلق على مناقشة بين البطلين؛ حيث يرفض الزوج - بكبرياء - المساعدة من والد زوجته]

أعتقد أن هذه العبارة ليست صحيحة على الدوام.. لكنها أخذت مكانها بين عباراتي لأنها استجلبت بقوة من ذاكرتي تجربة قديمة؛ فوصَفَتْها واختزَلَتْها بكل دقة في تلك الكلمات المعدودة..!
كنا في بداية المرحلة الجامعية.. بعضنا نفوس لم تستعد توازنها بعد من جراء معركة (الثانوية العامة).. وبعضنا أنفاس مبهورة بعالمٍ جديد..
لكن الجميع يتخبط في محاولات مستميتة لفهم واستيعاب طبيعة الدراسة في كليتي العملية المشهورة بصعوبتها!!
وعبر كل هذا الصخب.. ظهرت هي فجأة..
جميلة.. وغامضة.. لا أحد يعرفها.. من أين جاءت..؟ ولماذا ظهرت الآن؟!
وباءت محاولات بعض الزملاء في التودد إليها أو التعرف عليها بالفشل..
وبطبيعة الحال ساد وصفها بين الزملاء بالمتكبرة والمغرورة وغيرها من الصفات الشبيهة..!
لكن حَدَثا - ليس لي يد فيه - دفعها فجأة في طريقي..(1)
أنا بالذات..!!
اندهشتُ لأنني لم أكن ممن حاولوا التقرب إليها.. بل إنني لم أنتبه حتى إلى وجودها من الأساس..! فلم يكن التودد إلى الفتيات من مبادئي، ناهيك عن انشغالي التام بتجاوز تلك المرحلة العصيبة من التأقلم مع الدراسة والتي زامنها بقايا أزمة نفسية قريبة لم أتجاوزها بعد..!
لكن رغما عني.. عرفتُ الكثير عنها...!
من أين جاءت.. مَن أهلُها.. مَن أصدقاؤها.. كيف تعيش.. ذكرياتها.. أحلامها.. قناعاتها..!!!
فرصة لم أطلبها كشفت لي مكنوناتها..!
لكن أهم ما أثار اهتمامي في كل هذا اكتشافي أنها لم تكن أبدا تلك المتكبرة المغرورة، وإدراكي سببَ تلك الهالة من الجمود والغموض التي أحاطت بها وحجبتها عن الآخرين..!!!
وعندما غابت فجأة كما ظهرت فجأة.. لم يبقَ من ذكراها سوى تلك الحقيقة التي اكتشفتُها والتي استخرجَتْها تلك العبارة:
بعض الواهنين الذين دفَعَتْهُم صروف القدر وتقلبات الأيام إلى افتقار الثقة في أنفسهم أو في الآخرين لا يجدون سوى الترفُّع المصطنع أو التكبر المزعوم؛ ليكون لهم درعا يحمون به هشاشتهم، ويحتمون خلفه من محاولات الآخرين لاختراقهم..!!!
____________
(1) ربما أذكره يوما في "مذكرات طالب حيوان".

الأحد، أكتوبر 09، 2011

19 من قصصي(1): عيـن من السمـاء..!


عيـن من السمـاء
نشرت هذه القصة منذ بضع سنين في جريدة آفاق عربية (المصرية) ومجلة ولدي (الكويتية)
_______________

أخذ يتحسس تلك الحافظة التي انتشلها من راكب في إحدى الحافلات قبل أن يقفز منها، وهم أن يفتحها لاستكشاف محتوياتها، لكن سرعان ما بدت له هذه الفكرة غير صائبة على الإطلاق.. كان قريبا من جمع من الناس يقفون أمام إحدى الحدائق العامة، وقد شعر أنهم ينظرون إليه بنظرات الشك والاتهام؛ وكأنهم يعلمون ما اقترفه منذ قليل..!

وبعد لحظة من التفكير، قرر الدخول إلى الحديقة؛ ليرتاح من عناء العمل طوال النهار، ولم يلبث بالفعل أن ابتاع إحدى تذاكر الدخول، وما إن دخل إلى الحديقة حتى اتجه إلى ركنٍ منزوٍ فيها، وجلس على أحد المقاعد الحجرية، ثم أخرج الحافظة - بلهفة - ليفتحها ويعرف محتوياتها، لكنها.. كانت خاوية!!
أصيب بالإحباط والضيق لبعض الوقت، لكنه تناسى الأمر سريعا؛ فليست المرة الأولى التي يواجه فيها مثل هذا الموقف..
وأخذ يبدد السأم بالتجوال ببصره في أرجاء الحديقة، وابتسم - مرغما - وهو يشاهد أولئك الأطفال الذين يمرحون ببراءة، وتتعالى أصواتهم في مشاجرات حامية تمثل لهم أهم مشاكل الحياة في تلك اللحظات..

أثناء ذلك، كانت نظراته اللامبالية تطوف بالمكان عندما وقع بصره فجأة على مشهد جعله يلتفت إليه بكل كيانه، بل وينهض واقفا، ثم يتجه نحوه..!
كان مشهد سيدة عجوز - تنطق ملابسها الفاخرة بثرائها - وهي تطعم طفلا صغيرا يجلس في عربة أطفال أمامها.. ليس هذا ما أثار انتباهه في حد ذاته؛ وإنما تلك الحقيبة التي تضعها على المقعد الحجري بالقرب منها، وتوليها ظهرها أثناء انهماكها التام في إطعام الطفل..!
ووجد نفسه قد اقترب بالفعل، وبخفة وحذر قط يهم بسرقة قطعة لحم جلس على المقعد، وامتدت يده بسرعة - وبصوت منعدم تقريبا - نحو الحقيبة، في الوقت نفسه الذي أخذت فيه عيناه تجولان في المكان للتأكد من أن أحدا لا يراه..
ولكن...

يبدو أن مهنته أكسبت يده سرعة تفوق سرعة دوران عينيه في محجريهما؛ ففي اللحظة التي استطاع فيها معالجة قفل الحقيبة وفتحها بالفعل، وقع ناظره على عينين حادتين تحدقان فيه، يعلوهما حاجبان كثان منعقدان في صرامة، وبِرَدِّ فعلٍ طبيعي سحب يده من الحقيبة بحدة، وبنفس الحذر والصوت المنعدم؛ لئلا تنتبه إليه السيدة..


وكاد ينهض ويسرع مبتعدا عن المكان، لولا أن ابتعدت عنه عينا ذلك الرجل الجالس على أحد المقاعد القريبة المقابلة له..
تنفس الصعداء عندما انتقل الرجل بناظريه بعيدا؛ مما أشعره بأن ذلك الأخير لم يلحظ حركة يده؛ فقفزت يده بخفة ثانية نحو الحقيبة - التي صارت مفتوحة هذه المرة - وقلبت محتوياتها بسرعة فائقة لتتوقف عند إحداها..! كاد يقفز فرحا وهو يتحسس تلك الرزمة المالية التي قدر أنها تتخطى الأربعة آلاف من الجنيهات - كما يبدو من سمكها ومساحة أوراقها -، وقبض بيده على الرزمة المالية، وهم بإخراجها، ولكن..!
خفق قلبه فجأة بشدة بين ضلوعه..
لقد كان الرجل ينظر إليه هذه المرة.. لم يعد يشك في ذلك.. إذ رآه يحدق فيه وقد ازداد حاجباه انعقادا، وكأنه يقول له - في صمت - وبلهجة معاتبة:
- ألم أحذرك في المرة الأولى؟

لكن ما أدهشه أن رد فعله كان على عكس المرة السابقة تماما؛ إذ فوجئ بيده تتصلب داخل الحقيبة حول الرزمة المالية وقد بدأ العرق يتصبب على جبهته..
كان يشعر بخوف مبهم..!
خوف عجيب لم يشعر بمثله من قبل مع هاتين العينين الحادتين ونظراتهما النافذة التي نفذت إلى أعماقه لتعبث بقلبه وتجعله يخفق بعنف، حتى كاد يسمع صوت ضرباته اللاهثة..!
ومضت بضع ثوان على هذا المشهد الصامت، مرت عليه كساعات طوال، لم ينتبه خلالها إلى أي شيء حوله، حتى تناهى فجأة إلى سمعه صوت طفلة صغيرة تهتف بمرح:
- أبى.. هيا لنرحل، لقد حضرت أمي.
ورأى الطفلة وهي تقترب من ذلك الرجل، وكأن قدومها كان المنقذ له؛ فما إن التفت الرجل إلى الطفلة حتى ترك هو الرزمة المالية على الفور دون أن يعلم سببا لذلك، وانتزع يده من الحقيبة انتزاعا، متخليا عن حذره المعتاد..!

واجتمعت مشاعر الرهبة والخوف والتوتر بداخله؛ ليخرجها في زفرة ارتياح حارة.. وما إن فعل حتى التفتت العجوز إليه، وحركت ناظريها بينه وبين حقيبتها المفتوحة في شك وارتياب، فلم يسعه إلا أن قال لها بكلمات متعثرة:
- لقد.. لقد أردت تنبيهك إلى أن الحقيبة مفتوحة.
لم تزايلها نظرة الارتياب وهي تنظر إلى داخل الحقيبة، وعندما وجدت أن الرزمة المالية ما زالت موجودة بدا بعض الارتياح على وجهها، وهى تشكره على فعله.

وتذكر هو بغتة ذلك الرجل..
والتفت نحوه..
وكان ما فاجأه وجعل حدقتاه تتسعان ذهولا..
مشهد الرجل وهو يسير ببطء بجوار الطفلة قابضا على يدها بإحدى يديه، بينما يتحسس الطريق بواسطة عصا يمسكها بيده الأخرى.. تلك العصا التي لم ينتبه إلى استناد الرجل إليها طوال الوقت..!
نعم.. كان الرجل ضريرا.. فهو لم يره قط..!
حتى عندما نظر إليه.. كانت مصادفة.. مجرد مصادفة..!
ونهض واقفا في غضب، وكادت تقفز من عينيه دموع القهر وهو يرى الرجل يبتعد مسترشدا بابنته في السير..
راح يراقبهما بضع لحظات بعمق..

وهنا.. توقفت دموعه الغاضبة فجأة قبل أن تنحدر على وجنتيه..
لقد بزغت ومضة ما في عقله، لم تلبث أن انتشرت وأضاءت كل ركن في جسده وهو يسترجع كل ما حدث منذ ما يقل عن الدقيقتين..
وصرخ في أعماقه:
- يا إلهي.. لم تكن نظرات الرجل مصادفة.. لم تكن كذلك على الإطلاق..!
ثم أخذ يبتعد عن المرأة العجوز في سعادة متناهية؛ لأنه لم يحصل على المال...
لقد انفتح عقله المغلق فجأة وفهم الأمر على حقيقته..
فهم سبب ملاحقة نظرات الرجل له.. وعرف سر حدتها.. وسر الخوف العجيب الذي أصابه من جرائها ودفعها إلى ترك النقود..
إن عينيْ الرجل لم تنظرا إليه قط، بل كانت عينا أخرى..
عينا من السماء!

الثلاثاء، أكتوبر 04، 2011

21 مصطلحات شائعة(17): السُفُسطائية (السفسطة)


السُفُسطائية (السفسطة) Sophism 


يشيع بيننا أن نَصِفَ شخصا ما بأنه سفسطائي لمجرد أنه كثير الجدال والنقاش.. لكن هل هذا الوصف صحيح أو دقيق؟
فلنعد لأصل الكلمة وستظهر لنا الإجابة...

المعنى اللغوي لكلمة سفسطائي (سوفيتيس) في اليونانية تعني الحكيم أو المعلم. و"السُفُسطائية" حركة فلسفية عرفتها اليونان القديمة (نهايات القرن السادس وبدايات القرن الخامس ق.م.)، وقد ظهرت هذه الحركة (أو هذا المذهب) في تلك الفترة نتيجة تأثر اليونانيين بمعاركهم مع الفرس والفينيقيين؛ حيث فطنوا إلى أن تلك الشعوب لم تصل إليهم (من بلادهم البعيدة) إلا بسبب اهتمامهم بأسباب الحضارة المادية القائمة على العلم.. فاندفع الشبان اليونانيون للاهتمام بالعلم والتعلم، فتصدى لهذا الهدف مجموعة ممن لديهم قدر من المعرفة، وسموا أنفسهم (سوفيتيس) (أي المعلمين البلغاء أو معلمي الحكمة).

وقد اشتهر فلاسفة "السفسطائيين" بالبراعة في علم الكلام والمحاججة، وتميزوا بالقدرة على قلب الحقائق باستخدام أسلوب المغالطة والتضليل والقياس على أمور غير حقيقية، وذلك للتمويه على الخصم وإفحامه وإسكاته. كما اشتهروا بإثارة الأسئلة والشكوك حول كل شيء بما في ذلك البديهيات؛ مثل المبادئ الدينية وأصول الأخلاق، ولإثبات شكهم كانت لهم القدرة على الإتيان بالحجة على صحة الشيء ونقيضه في نفس الوقت..!

وكان مما ميزهم عن غيرهم من فلاسفة ذلك العصر أنهم أول من قام بالتعليم مقابل المال من الفلاسفة؛ حيث كانوا يتنقلون من مدينة إلى أخرى باحثين عن الشباب الأغنياء واعدين إياهم بتعليمهم مهارات الجدل والخطابة.
ومع أن هذا الاسم "سوفيتيس" (وتعريبها سفسطي أو سفسطائي) كان في الأصل وصف مدح؛ إلا أن لجوء هؤلاء المعلمين لتقاضي مالا لقاء تعليمهم (أي للتكسب بعلمهم) جعل (سقراط) يعتبر ذلك مأخذا سلبيا عليهم؛ فصار اسم (سفسطي) صفة ذم(1).. ونتيجة لآراء هذا الأخير فيهم -ومن بعده (أرسطو) كذلك- أصبح لفظ "سفسطة" ينحصر في معنى: الاستدلال القائم على الخداع والمغالطة.

* * * * *

من جديد.. هل كل نقاش أو جدال في قضيةٍ ما هو مجرد "سفسطة" بمعناها المذموم؟
بتعبير آخر: هل كل نقاش أو جدال هو أمر مذموم؟ خاصة مع علمنا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنا زعيم (ضامن) ببيت في ربض الجنة (أسفل الجنة) لمن ترك الِمراء وإن كان محقا..." [جزء من حديث رواه أبو داود، حسنه الألباني فى صحيح الجامع]. 

الحقيقة أن معنى (المراء) في اللغة: استخراج غضب المجادل. والمراء المنهي عنه شرعا: طعن الإنسان في كلام غيره؛ لإظهار خلله واضطرابه، ليس لهدف إلا تحقير الخصم. وإن كان المماري على حق في القضية المطروحة، فإنه لا يجوز له أن يسلك هذا السبيل؛ لأنه لا يقصد من ورائه إلا تحقير غيره والانتصار عليه.. وهذا ليس من صفات المسلم ولا أخلاقه.

أما (الجدال) فهو من الجَدَل، ومعناه في اللغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.. أما معنى (الجدل) في الشرع: رد الخصم بالكلام عن مقصده الباطل. و(الجدل) بهذا المعنى محمود شرعا، بل هو مأمور به في سبيل إظهار الحق، ومن الأدلة عليه قوله تعالى: "وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل:125]، وقوله: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" [العنكبوت:46]، ومن أمثلة الجدال لإعلاء الحق ما فعله (ابن عباس) - رضي الله عنهما - لما جادل الخوارج، ورجع منهم خلق كثير بسبب حججه القوية المقنعة في الجدال والمبنية على علم راسخ.

* * * * *

خاتمة طريفة (عاوزة تركيز وبال رايق!)

هذا مثال على السفسطة عن طريق استخدام الحقيقة الواحدة لإثبات الأمر وضده (!!!):
قام أحد السفسطائيين بتعليم أحد التلاميذ أصول السفسطة من أجل أن يحترفها التلميذ فيما بعد، لكن التلميذ ترك السفسطة وامتهن عملا آخر ولم يدفع للمعلم السفسطائي أجرا مقابل فترة التعليم..
فاشتكى المعلمُ التلميذَ لدى المحكمة، وطالب بمال لقاء تعليمه إياه السفسطة، وكان يطالب بأن يدفع له التلميذ مالا سواءً فاز بالقضية أو خسرها.. حيث أنه إذا فاز المعلم سيكون على التلميذ دفع المال بحكم المحكمة، وإذا فاز التلميذ سيكون هذا دليلا على أنه تعلم السفسطة (لأن لديه حجة قوية للإقناع) وعليه أن يدفع أيضا في هذه الحالة...!
وكان ردّ التمليذ بليغا (وسفسطائيا كذلك!!)؛ إذ أنه طالب بألا يدفع سواء فاز أو خسر.. حيث أنه لو خسر أمام المعلم فهذا دليل على أنه لم يتعلم السفسطة (ليس لديه حجة قوية للإقناع) وبهذا لا يدفع.. وإذا فاز على المعلم فهو لن يدفع أيضا بحكم المحكمة....!!!

تصبحوا على خييييييييييييييييييير....!
___________
(1) لكن الفيلسوف المعاصر (برتراند راسليرى أن السفسطائيين الذين يحترفون الكلام هم أيضا بحاجة إلى الطعام!!!

السبت، أكتوبر 01، 2011

27 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (2من2)

 Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(2من2)


ذكرتُ في البوست السابق سبب تأثري بشخصية آنجل (مصاص الدماء) الذي عاش سنين طويلة في معزل عن الآخرين..
عشرات السنين كانت كافية لجعله يفقد أحبابه واحدا تلو الآخر..
الفناء يحصدهم جميعا.. لكنه يتخطاه ليزداد ألما وعذابا..
الزمن يمر عليهم كلهم.. لكنه يتوقف عنده بالذات ليزداد وحدة ووحشة.. 

* * * * *

قلت أن هذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!
عالم يتغير باستمرار.. تتبدل فيه الوجوه والأسماء.. لكن تبقى فقط المعالم لتشهد في صمت على ما كان.. وتشاركك وحدك استدعاء الذكريات..!!
عالم مقبض كئيب.. لا أحد فيه يعرفني.. لا أحد يتذكرني.. لا أحد يسترجع معي ذكرياتٍ مشتركة.. لا أحد يخطط معي مستقبلا يجمعنا.. لا أحد يعنيه شأني من الأساس..!
وقلت أن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...!!!!

* * * * * 

في الإجازة الأخيرة.. ذهبت في زيارة لكُلِّيَّتي..
اليوم مر على تخرُّجي ست عشرة سنة..!
وكانت حقا تجربة مؤلمة.. بالنسبة لي على الأقل..!!!
أخذت أتجول بين أَرْوِقَتِها التي لم يتغير فيها شيء...
نفس الجدران بلونها الكالح الباهت مهما طليت..
نفس الدواليب القديمة المتداعية مهما رممت..
نفس عينات الحيوانات التي لا تستبدل أبدا..
نفس روائح المعامل التي تمتزج مع كل ما سبق في خلطة عجيبة تسمى الذكريات..!!!
لهذا بدت لي معالم الكُلية أثناء تجوالي بينها كلوحة قديمة مشققة باهتة تفتقر إلى عنصر الحياة رغم كل الوجوه التي تتحرك من حولي..!!
صدقني.....
رحتُ يومها أتطلع إلى مشاهد لا يراها أحد غيري..
وأسمع أصواتا لا يسمعها فرد دوني..!

* * * * * 

ها أنا ذا - على نفس هذا السور الحجري - أجلس بين رفاقي.. يملأ صخبنا المكان.. أليس هو ملكنا وحدنا.. ألسنا سنبقى في هذه السن الغضة أبد الدهر..!


وها أنا ذا - عند هذه الصناديق الزجاجية - أتصلب طويلا مع زملائي أمام محتوياتها من عينات الحيوانات المحنطة؛ لنرسمها وندون أسماءها اللاتينية استعدادا للامتحان العملي..!


أراني وقد استلقيت على ظهري على عشب الحديقة مع صديق عمري نتبادل الأحلام حول مستقبلنا.. تلك الأحلام التي أعرف الآن فقط ما تحقق منها وما لم يتحقق..!!


ها نحن - في هذا الممر بالذات - نتسابق إلى قاعة المحاضرات ليُحَصِّلَ كل منا أقرب مكان يستطيع منه الاستماع بوضوح إلى الدكتور المحاضر..!


ها أنا ذا - في المسجد الصغير الحميم - أسترق الوقت بين المحاضرات لأصلي وشيطاني يوسوس لي بمكر يفسد علي صلاتي: هل ستلحق بالمحاضرة التالية قبل أن يغلق الدكتور باب المدرج..؟!!


ها نحن نتزاحم - تحت تلك الشجرة الضخمة العتيقة - وننتظر في وَجَلٍ تعليقَ تلك الورقة التي تشكل مستقبلنا عاما بعد عام.. نتيجة آخر العام..! 


وانتهت جولتي التي شعرتُ خلالها وكأنني مع تلك الوجوه - التي لا تعرفني - شبحٌ يمشي بينهم..
يراهم ولا يَرَوْنه..!
فقط هذه المعالم هي من يشاركني الذكرى..!
لكنها لن تتنهد معي..!
لن تبتسم معي..!
لن تترقرق عيونها بالدمع معي..!
لكني حمدتُ الله أني سأعود إلى عالمي بمجرد الخروج من بوابة الجامعة..
عالمي الذي ما زلت أحتفظ فيه بمن أحب..
الذي أجد فيه من يتنهد معي.. يبتسم معي.. يبكي معي..!!
لكن - أسأل في توجس ولا أريد إجابة -: ماذا لو قدر الله فأطال عمري.. وذهب الجميع وبقيت؟!!!!!
حقا إن طولَ العُمرِ حلمٌ جميل يتمناه البعض.. لكني لستُ منهم؛ فهو في نظري إن تحقق بهذه الصورة، لن يلبث أن يتحول إلى كابوس..!!

الثلاثاء، سبتمبر 27، 2011

20 ومضات(9): Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..! (1من2)


Angel.. عندما يتحول الحلم إلى كابوس..!
(1 من 2)


آنجل Angel.. مصاص دماء يتمتع - كغيره من بني جنسه - بقدرة خارقة على مقاومة الموت؛ لذا يعيش طويلا جدا..
لكنه يختلف عنهم في اللعنة التي أصيب بها، وهي أنه صار - خلافا لبني جنسه - ذا روح؛ وبالتالي صارت له مشاعر بشرية.. يحس بتعذيب الضمير على كل ما اقترف من آثام ويشعر بالألم الشديد تجاه كل روح أزهقها ليروي عطشه الأبدي للدم البشري.. 
فصارت اللعنة الحقيقية هي تلك الحياة المزدوجة البائسة التي يحياها؛ فلا هو صار بشريا خالصا يستغني عن شرب الدماء.. ولا هو بقي مصاصِ دماء خالص منعدم الإحساس بالذنب..!

من أجل ذلك راح يكفر عن خطاياه باستخدام قواه الفائقة في حماية البشر الضعفاء من مصاصي الدماء وأمثالهم من المسوخ، مع اضطراره لشُرْبِ دم الماشية عوضا عن دم البشر، والتحرك ليلا بعيدا عن ضوء الشمس الذي يحرقه.. والأهم من كل ذلك الانعزال الدائم عن الآخرين والافتقار إلى أية علاقة إنسانية طبيعية..!


كنتُ أدرك منذ البداية أن هذه الشخصية تطرق على شيء ما بداخلي.. وإلا لما تأثرتُ بها بهذه الطريقة!!
ولكني لم أدرك على أيِّ وتر في نفسي تعزف لحنها الحزين!


ومع متابعتي للمسلسل - الذي يمزج كثيرا بين مواقف معاصرة للبطل ومواقف قديمة عاشها منذ 200 سنة عندما كان شريرا (من خلال تقنية الفلاش باك) - أدركتُ السر وراء تأثري بهذه الشخصية واهتمامي بها..
إنها تغوص في كل مرة لتستجلب من أعماقي خوفا قديما.. أو للدقة واحدا من مخاوفي العديدة!!

كنت دائما أكره فكرة أن أعيش طويلا جدا، وأن أرى من أحبهم يموتون واحدا واحدا..
أن أشهد كل من أعرفهم - ممن يشكلون في مجموعهم حياتي بأسرها - يختفون أمام ناظري واحدا تلو الآخر..
تتبدل الوجوه والأسماء جميعها..
يتغير العالم من حولي..
لأجد نفسي يوما ما في عالم آخر مختلف..
نعم مختلف.. ونعم جديد.. لكن مقبض كئيب..
لا أحد فيه يعرفني..
لا أحد يتذكرني..
ليس فيه من يسترجع معي ذكريات مشتركة..
ليس فيه من يخطط معي مستقبلا يجمعنا..
ليس فيه من يعنيه شأني من الأساس..!
وهذا - لَعَمْري - من أقسى العوالم التي يمكن أن يوجد فيها المرء..!!


لكن الحياة لم تحرمني مشاهدة هذا العالم؛ فقد قدَّمَت لي مؤخرا (بروفة) مصغرة لهذه التجربة...


يتبــــــــــــــــع بإذن الله....

الجمعة، سبتمبر 23، 2011

29 عبارات هوليودية(5): النهايات... السعيدة..!!


النهايات... السعيدة..!!




"النهايات السعيدة هي قصص لم تنتهِ بعد!"
[البطلة لزوجها رافضة عرضه عندما أراد متفائلا أن يفتحا صفحة جديدة في علاقتهما بعد صراع بينهما]


كم طرأ معنى هذه العبارة على عقلي كلما انتهت قصة الفيلم بالزواج السعيد للبطل والبطلة؛ فأتساءل: ماذا بعد؟


هل تتوقف الحياة عند هذه اللقطة؟


إن ثبات الحال من المحال..


ولهذا كنت دائما أحب القصص التي لها جزء ثان وثالث..


التي تؤكد هذا المعنى لدي..


التي لا تدعي أن الحال سيبقى على ما هو عليه مع أبطال القصة..


بل تكشف دَيْدَن الحياة معنا.. ودَيْدَننا معها...


فلا المنتصر يبقى منتصرا، ولا المهزوم يبقى مهزوما..


ولا الطيب يجب أن يبقى طيبا، ولا الشرير يجب أن يبقى شريرا..


ولا الصديق يبقى بالضرورة صديقا، ولا العدو يبقى بالضرورة عدوا..


وكذلك - وهو من أقسى الدروس التي نتعلمها - لا يبقى حبيبك دائما حبيبك!!


..........
أين أنتِ يا ليالي الحلمية؟!! 

الخميس، يونيو 23، 2011

40 ومضات (15): طلابي.. و"سيادة القانون"...!!!


طلابي.. و"سيادة القانون"...!!!



كثيرا ما يصادف المعلمون - وأنا منهم - مثل هذا الموقف في الفصل..

أحد الطلاب المشاغبين يتعدى على طالب آخر أمام المعلم.. وقبل أن يهم هذا الأخير بإخراج المتعدي لعقابه، يفاجأ بالمُعتدَى عليه وقد فقد أعصابه فيرد الاعتداء سريعا - ثأرا لكرامته التي أهدرت أمام بقية الطلاب - دون انتظار عودة حقه بـ(سلطة القانون) التي يملكها ويمثلها المعلم - حاكم الفصل-..!!!
ويكون رد فعل المعلم - الحاكم - أن يقوم بمعاقبة الطرفين دون تفرقة بينهما - غالبا ثأرا لكرامته هو هذه المرة -..! وبهذا يتساوى الطرفان لديه وتضيع القضية الأصلية..!!!

ولم أكن - في بداية عملي في التدريس - بدعا من أولئك المعلمين.. لكن في ومضة من الومضات التي ينعم بها القدر على عقلي، تنبهت إلى خطأ المعلم في رد فعله هذا من الجانب الشرعي.. ثم صار رد فعلي بعد ذلك فيه بعض الاختلاف؛ فأصبحت أفرق بين العقوبتين جاعلا عقوبة الأول أشد من عقوبة الثاني.. كما أحرص للغاية على أن أوضح أمام الطلاب جميعا - وفيهم طرفا النزاع ضمنيا - سبب اختلاف العقوبتين (بمعنى آخر: أوضح لهم حيثيات الحكم!)(1)؛ حيث لا أساوي بين من بَيَّتَ النية للاعتداء فقام به بوعي كامل تجاه زميله مهينا قيمة احترام المعلم ابتداءً، وبين ذلك الذي كان اعتداؤه ردَّ فعل نتج عن لحظة غضب سيطرت عليه بسبب جرح كرامته(2)..!!!! ثم أوضح لهم عاقبة الافتئات على سلطة القانون؛ إذ غالبا ما يضيع معه حق المظلوم، فضلا عن - وهو الأهم والأخطر - ضياع هيبة ذلك القانون، وتحول الأمر إلى فوضى.. وهو المرفوض شرعا وعرفا..!!!!

يرى بعض الزملاء أنني (أكَبِّر) الموضوع، وأنه مجرد (خناقة) بين طالبين، ولا يستحق معه الحديث عن هذه المعاني (الضخمة)..!!!
لكن ما يدفعني إلى ذلك - عن قناعة - استفادتي من أحد أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعليم الصحابة - رضى الله عنهم -.. وهو التعليم بالموقف.. حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يستفيد من بعض الأحداث التي تصادفه هو والصحابة فيطرح من خلالها بعض المعاني والقيم والمفاهيم.. وتتكفل قوة تأثير المعايشة الحية والطازجة للحدث بربط هذه المفاهيم ارتباطا شرطيا في أذهانهم يصعب أن يزول..!!!!!

* * * * *

هل أنتَ معي في ذلك.. أم أن الموضوع فعلا لا يستحق كل تلك السطور التي أهدرتها آنفا..؟!  :)     
ومن قبيل التقليد لطريقة أختنا (موناليزا) التي تضيف إلى الموضوع وتثريه: هل تذكر موقفا من السيرة للتعليم بالموقف؟   
____________
(1) أرفض بشدة أن يعاقب المعلم طالبا - مع اعتقاد هذا الطالب أنه مظلوم - دون أن يوضح له سبب عقابه.. صحيح أن هذا الطالب قد لا يقنتع وقتها، لكنه - بالتأكيد - سيفهم ذلك عندما يكبر؛ وحتى لو بقى مقتنعا بعدم خطئه، فأعتقد أنه لن يحمل وقتها ضغينة تجاه معلمه؛ لأنه سيدرك أن ذلك المعلم - على الأقل - كان حريصا على ألا يظلمه..!! 
(2) ما يجعلني أقدر موضوع (الكرامة المهدرة) - ربما بشكل مبالغ قليلا - هو تفهمي للبيئة القبلية التي ينشأ فيها الطلاب هنا في الكويت.    

الاثنين، يونيو 20، 2011

26 فلاش باك(1): بلا إحساس!

فلاش باك.. "بما أن لا شيء يضيع مما تسجله عقولنا: كل صورة.. كل كلمة.. كل رائحة.. كل موقف.. فلأمد يدي إذن وألتقط الملف المطلوب عرضه في هذه الزاوية.. زاوية Flashback".
________________
بلا إحساس!

كنت متوقفا بالسيارة أنتظر اخضرار الإشارة الضوئية..كانت الشمس في مواجهتي، لكن نظارتي السوداء تحميني من وهجها الحارق.. أخذت أجول بعيني في تململ هنا وهناك، فوقع بصري عليهما عبر المرآة الوسطى..
كانا يجلسان في السيارة التي تليني مباشرة، والشمس -المواجهة لهما بدورهما- تظهر لي بوضوح المشهد الذي جذب انتباهي بقوة..
هو يرتكز بيديه على عجلة القيادة ويتحدث بكل انفعال -يصل إلى حد الصراخ- دون أن يلتفت إليها مرة واحدة؛ ففهمت أنه يتحدث عبر هاتفه الخلوي مستخدما سماعة أو ما شابه.. خاصة أنها كانت تجلس بجواره تحدق إلى الأمام بنظرة صامتة لا تحمل أدنى انفعال..
مرت لحظات ليست قليلة، تنبهت بعدها مع زيادة انفعاله وإشاحته بيده والالتفات إليها من حين إلى آخر أنه لا يحمل هاتفا ولا يعلق سماعة في أذنه.. بل يحادثها هي.. هي بالذات..!!
انتابتني الدهشة الشديدة؛ فهي - رغم انفعاله المتصاعد - لا تحرك ساكنا..!
قلت في نفسي: لا بد أنها من النوع الهادئ الذي يستطيع مواجهة انفعال الآخرين ببرود أعصاب يُحسد عليه!!
ومرت لحظات أخرى -هل حقا كانت كذلك!- قبل أن ألمح فجأة تلك الدمعة الحارة التي انسابت فجأة على وجنتها.. أيضا بنظرة صامتة ودون أدنى انفعال..!!
وفي نفس اللحظة التي تحولت فيها الإشارة الضوئية من الأحمر إلى الأخضر.. وقبل أن أنطلق في طريقي.. فرت دمعة تأثر مرتجفة من عيني أخفتها نظارتي السوداء..!
عفوا سيدتي.. كنت أظنكِ بلا إحساس.. بينما كنتِ كَبَحرٍ هادئٌ سطحه تصطرع الحيتان في باطنه!!!

26 بحب..(4): معشوقتي الدائمة..! (الجزء الثاني) + تحديث

معشوقتي الدائمة..!
(الجزء الثاني)

___________________________________
.......... التحديث في نهاية الموضوع ...........
___________________________________

إذن هل التحديات العديدة التي تواجهها (اللغة العربية) تمثل خطرا حقيقيا عليها للدرجة التي تمثل تهديدا بالانقراض كما يزعم بعض الباحثين؟؟!!!!
قبل أن أطرح الرد من وجهة نظري.. فلنتعرف أولا - في لمحة شبه سريعة - على أهم تلك التحديات المزعومة...

* * * * * 

(1) العامية مقابل الفصحى

يعتقد بعض المتابعين أن أهم المخاطر التي تواجه (اللغة العربية) هو إغراقنا في التحدث بالعامية، فضلا عن تطعيم تلك العامية بكلمات أعجمية (إنجليزية، وفرنسية في الغالب)..
أنا صراحة أرى أنه لا مشكلة من استخدام العامية.. فهذه طبيعة الأمور.. والألسن تميل إلى ذلك في كل مكان.. بل كان هناك لهجات متنوعة للعربية الفصحى نفسها وقت سيادتها على ألسنة أهل الجزيرة، والتشريع الإسلامي - الذي لم يأتِ لمصادمة الطبائع البشرية - اعترف بهذه اللهجات، لدرجة أنْ تَـنَـزَّل القرآن على لسان جبريل - عليه السلام - بأشهر سبع لهجات عند العرب(1).
أما عن استخدام الكلمات الإعجمية خلال الحديث.. فأرى - مع ما قد يظهره البعض من دهشة - أن السطور السابقة تنطبق عليها؛ ولا أرفضها إلا في حالتين:
1- أن يكون مقصد المتحدث بالكلمات الأعجمية هو التباهي على من لا يفهم كلماته من الحضور.
2- أن تُضيع كلماته الأعجمية أجرا بإزاحتها ألفاظا شرعية مقابلة؛ كاستبدال (جزاك الله خيرا) للشكر بـ(ميرسي)(2).. أو استبدال (سبحان الله!) للدهشة بـ(واااااو).. أو استبدال (السلام عليكم) للتحية بـ(هاي).. هكذا..!(3)    

* * * * *

(2) قاموس (رِوِش طحن)

أو قاموس (الرَّوْشَنة).. وهو قاموس بالمعنى الحرفي لا المجازي.. جمع فيه المؤلف (ياسر حماية) تلك الألفاظ التي انتشرت  بشكل خاص بين الشباب منذ عقد التسعينات من القرن المنصرم، وهي ألفاظ ذات دلالات كان لا يفهمها إلا تلك الفئة في البداية نظرا لانتشار الفساد الصارخ وانفصال شريحة ضخمة من الشباب عن واقع وطنها يائسة من إيجاد دور لها في تغيير منشود.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لانفصال هذا الشباب عن الأجيال الأكبر سنا التي انشغلت بتحصيل لقمة العيش وعدم تفرغها لمجرد التعرف على مشاكل أولئك الشباب فضلا عن فهمها!!.. ثم لم تلبث تلك الألفاظ (الرِّوشة) - غالبا بتأثير الدراما - أن فرضت نفسها فرضا على بقية المجتمع تقبلا ومن ثم استخداما..!!

ورأيي هنا تجاه هذه الألفاظ لا يختلف كثيرا عن رأيي في استخدام العامية، لأن طفو هذه الألفاظ على السطح وسيطرتها على الألسنة لا يجعلها في صراع أو مواجهة مع العربية الفصحى بقدر كونها - في حقيقة الأمر - في مواجهة مع العامية(4).. ودعنا نتفق مبدئيا على أن تلك الألفاظ (الروشة) لا تخالف أمرا شرعيا.. إذن الحديث عنها سيرتبط بالعرف.. وهنا اسمح لي أن أقول - وأرجو ألا أصدمك -: إذا كانت ستؤدي ما تؤديه العامية وارتضاها عرف المجتمع، فما المانع من استخدامها؟! خاصة أن مجال التوسعة والتضييق في استخدامها يدركه كل أحد، ويعرف كل شاب متى - ومع من - يصبغ كلامه كاملا بتلك الألفاظ، ومتى - ومع من - يكتفي بتطعيمه بها، ومتى - ومع من - يخفيها تماما من حديثه..!
ولا ننسى - في هذا السياق - أنه في يوم ما كانت كلمتا (كَبَّر) و(طَنِّش) - اللتان هما دلالة على تجاهل أمر ما وعدم الوقوف عنده طويلا - تمثلان لدى الكثيرين خطرا على العامية فضلا عن تمثيلهما لمستوى منخفض ثقافيا في المجتمع.. ولم تلبثا أن صارتا من لب العامية المصرية دون أن تثيرا أدنى استنكار أو استهجان لدى المجتمع..!!!!    

إذن شخصيا ليس لي تحفظ على استخدام قاموس الروشنة إلا في ثلاثة مواضع:
1- أن يكون اللفظ (الروش) ذا دلالة بذيئة، أي مرادفا لسباب أو شتيمة (وهذا طبيعي حتى في العامية العادية).
2- أن يكون بديلا عن لفظ شرعي؛ كاستبدال (ما شاء الله!) للاستحسان بـ(قشطة).. وهكذا.
3- أن يعطي انطباعا بعدم احترام المخاطب سيما لو كان اللفظ ما زال غير مقبول في مجتمع بعينه أو بيئة بعينها.

* * * * *

(3) في الدعوة والأدب.. الفصحى أم العامية؟

فلنجب - في سبيل ذلك - عن هذا السؤال أولا: ما وظيفة اللغة لدى الدعاة أو الأدباء؟ أليست هي مجرد وسيلة للتواصل مع المستمعين والقراء لكي تصل الرسالة المرجوة؟ إذن فكل ما يسهل هذا التواصل يمكننا استخدامه بكل بساطة.. ودعني أرجع لقاعدتي الأساسية في تقييم الأمور الخلافية.. فطالما أن أسلوب التواصل لن يخالف أمرا شرعيا فلا حرج من استخدامه.. وفي حالتنا هذه يُترك الأمر لكل صاحب رسالة (داعية أو أديب أو إعلامي) أن يستخدم أنسب وسيلة لمخاطبة جمهوره المستهدف.. فهناك جمهور لا يصلح معه إلا الفصحى، وآخر لا يفهم إلا العامية، وكل من الفصحى والعامية لها درجات ومستويات متنوعة يقدرها صاحب الرسالة، وبقدر إدراكه لجمهوره وطبيعة (اللغة) التي يجب مخاطبته بها بقدر ما يكون نجاحه. مع الانتباه إلى استخدام أرقى مفردات في (اللغة) التي سيستخدمها. 
ومن الجدير بالذكر أن كل نبي (والأنبياء هم أصحاب أعظم رسالة على وجه الأرض) كان يرسله الله - عز وجل - بـ(لغة قومه)؛ لكي تكون أسهل طريقة للوصول إلى أفهامهم..!

* * * * *

الآن نعود إلى السؤال الأصلي الذي بدأنا به موضوعنا: هل هناك خطر حقيقي يهدد بانقراض (العربية الفصحى)؟ 

مبدئيا أرى أنه من المشقة بمكان أن أدعو الناس - سيما العوام - للتحدث بالفصحى ولو مرحليا.. لأنني أرى - ببساطة - أن ذلك لن يمثل إلا حرثا في الماء..! 

ناهيكَ عن أن التجربة أثبتت فشل المحاولات العديدة لتحبيب الناس في (اللغة العربية) فضلا عن تحدثهم بها..!!!
وهذه ليست إشارة مني لعدم أهمية (العربية) أو دعوة إلى تركها.. كلا كلا.. ولكنني أعتقد أن الحل سيأتي عندما تتحول أنظمتنا التعليمية إلى احترام هويتنا إجمالا، والاهتمام بشكل خاص بتعليم (القرآن الكريم) و(اللغة العربية) وإعطاء كل منهما حقه ومستحقه كباب وطريق إلى استرجاع هويتنا وقيمنا في مقابل الهويات والقيم التي تفرضها علينا (العولمة) بكل أسلحتها الشرسة.. وقتها فقط - تلقائيا وفي سنوات قليلة معدودة وبأقل مجهود ممكن - سيظهر جيل جديد ذو هوية عربية قلبا وقالبا ومحب تلقائيا لكل مفرداتها بما فيها اللغة التي تمثلها.
وصدقوني.. من أسهل الأمور تدريب الألسنة على نطق العربية..
ألا تصدقون؟ حسنا.. فليترك كل منكم ابنه أمام الكرتون الناطق بالفصحى لمدة أسبوع فقط.. ثم ليحاول أن يحدثه بها.. وسينبهر من النتيجة..!! 
ولا يجب أن ننسى في هذا المقام أن (اللغة العـبـرية) تم إحياؤها من موات كامل في سنوات قليلة لمجرد أن أهلها احترموا هويتهم واستشعروا أهمية لغتهم في تمييزهم عن بقية الشعوب..!!

أما أن (العربية الفصحى) يهددها خطر الانقراض.. فهو زعم - لو تعلمون - عجيب.. نعم.. كان حريا بهذه اللغة أن تنقرض أو تتبدل كليا كغيرها من اللغات، وهي ليست بدعا منها.. لكنها تتميز عنها بأنها محفوظة من قِبل الله - عز وجل -.. ذلك أن حفظ القرآن الخالد - بوعد ربنا لنا - هو بلا ريب حفظٌ لوعائه الذي هو (العربية). فتجد المتحدث بالعربية الآن يفهم العربية التي سادت منذ أكثر من 1400 عام، على العكس مثلا من متحدثي الفرنسية الذين يستحيل عليهم فهم الفرنسية التي سادت منذ 400 عام فقط...!!!

* * * * *

في الجزء الثالث - بإذن الله - سأقتصر على تقديم هدية لن يقدر أهميتها وجمالها - في ظني - إلا محبي العربية.
دمتم سالمين.
..................................................................

التحديث
كنت أنوي - كما هو واضح - تقديم هديتي في جزء ثالث.. لكني عدلتُ عن ذلك في سبيل جعلها في صفحة خاصة ثابتة يمكن لكل زائر العودة إليها في أي وقت...
وهديتي ستجدها في هــــــــــــــذا الرابـــــــــــــط جزاء وفاقا على صبرك علي لجزءين كاملين!!!!  :) 
أرجو لكل مدون محب للكتابة بالعربية الفصحى أن يستفيد منها أكبر استفادة.. على ألا ينساني من دعائه.     
_______________
(1) كان الهدف من هذا في البداية هو سهولة فهم العرب جميعا للقرآن ومن ثم تقبلهم له.. ثم قام الخليفة الثالث (عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - بتحريق كل المصاحف التي كتبت بلهجة غير لهجة قريش لأسباب ليس هذا مجالها.. المهم أن ذلك كان بإجماع من الصحابة في عصره، أي أن هذا الاجتهاد - الـمُجمَع عليه - صار تشريعا في حد ذاته كالقرآن والسنة.. وصارت القراءة المعتمدة لدى المسلمين هي التي بلهجة قريش. وبالمناسبة هذه القراءات غير القراءات السبع أو العشر المشهورة عن الطرق المختلفة لمشاهير القراء. 
(2) الصحيح لغويا - على غير الشائع - أن استبدال تعني الجديد لا القديم، كالقول: "استبدل حسين (سيارة جديدة) بـــ(سيارته المعطلة القديمة)".. [لاحظ هنا أن الباء تدخل على الملغي].
(3) لعدم سيطرة اللغة الأجنبية على ألسنة أبنائنا.. أنصح هنا من يفضل مدارس اللغات لأبنائه أن يختار لهم تلك التي تهتم بجدية باللغة العربية والقرآن الكريم (وهي متوافرة بكثر حاليا ولله الحمد).. وإن لم يجد فليحرص على تعليمهم القرآن بأحكام التجويد على يد شيخ متقن؛ فهذا أكبر مقوم وحافظ لألسنة أطفالنا الدارسين في تلك المدارس.
(4) طبعا أقصد هنا العامية المصرية.. ولا أعرف بشكل دقيق إن كانت هناك (قواميس) مشابهة لدى شباب الدول العربية الأخرى أم أن هذه الظاهرة مرتبطة بالبيئة المصرية فقط..!! وإن كانت كذلك فهذا يستدعي بحثا ودراسة من أهل التخصص لتفسير خصوصية هذه الظاهرة لدى الحالة المصرية..!!!!