(3) وزأرت العاصفة..!!
الآن أنت تمشي بخطوات بطيئة وجلة.. وتتطلع بعينين منبهرتين إلى كل ما يحيط بك.. ثم تأتي تلك الرنات لتكمل جوانب المشهد.. الرنات القوية للساعة العملاقة التي
سمعتها مئات المرات في الأفلام والمسلسلات لتقرع أذنيك.. تِن تَن تِن تَن... تِن تَن تِن تَن....
إنها الجامعة.. تلك المرحلة التي طالما انتظرتها بعد سنوات من القيود....!
سنوات من الزي المدرسي.. وطابور الصباح.. والإذاعة المدرسية.. وتحية العلم.. والجلوس في طاولة واحدة لا تتغير طوال العام.. ومحاولة الإفلات من نظرات وأسئلة المدرسين يوميا.. والهمّ اليومي من عدم إتمام الواجب.. والاكتئاب الأسبوعي الذي يعكر فرحتك بيوم الجمعة لشعورك بأن الإجازة شارفت على الانتهاء وأن يوما دراسيا جديدا سيبدأ بعد ساعات...!!
إنها الحرية من كل تلك القيود...!
أنت تعتقد ذلك؛ لأن الدراما أوهمتك بذلك.. أنت لم تشاهد عن الدراسة الجامعية في الدراما سوى تلك المشاهد المكررة عن ذلك الطالب الذي لا يحمل سوى دفتر المحاضرات الذي - فيما يبدو - ليس له وظيفة إلا أن يكون مدخلا للحديث مع الجنس الآخر...!
إن هذه الصورة ربما تصح في بعض الأحيان، أو في بعض الكليات.. ولكنها لن تصح في حالتك.. فأنت تختلف.. قطعا تختلف؛ أنت يا عزيزي الآن أحد طلاب كلية العلوووووووم!!
وما أدراك ما كلية العلوم..؟!
تريد أن تعرف الفرق؟
فلنؤجل ذلك لما بعد، ولننطلق أولا إلى تلك الحجرة العتيقة حيث تسجيل رغباتك وتحديد الأقسام التي تود الالتحاق بها.. نعم.. هذا تنسيق داخلي إن كنت تسأل عن ذلك، لكنه تنسيق شكلي إلى حد ما..
ماذا ستكتب؟ ما زلتَ مصرا على قسم الأحياء الذي ستتخصص من خلاله في علم الحيوان..؟! فكر مرة أخرى.. فهذا القسم ليس له أدنى فرصة في سوق العمل..!
اسكت أيها العقل.. فهذه الكلية تسبب لي الكآبة وانقباض الصدر أساسا، فما دمتُ سأدرس فيها لأربع سنوات قادمة، فلأستمتع إذن بهذه الدراسة..
ماذا بك أيها العقل؟ لماذا أرى شبح ابتسامة مشفقة على شفتيك؟!
* * * * *
مرت بضعة أيام.. أنا الآن طالب في قسم الأحياء Biology.. ولكي أعرف من أين أبدأ فلأنطلق إلى تلك الشجرة العملاقة التي لا بد أن عمرها يفوق عمر الكلية نفسها..! إن ذلك الإطار الخشبي المثبت على جذعها الضخم يحتوي على جداول المحاضرات.. هذا واضح من تجمع الطلبة والطالبات حوله..
ذهبت إلى المدرج المقصود.. واتخذت لي مجلسا في مكان قريب من مكان المُحاضِر..
كان اسم المادة المكتوب في الجدول هو Physical Chemistry أو الكيمياء الفيزيائية؛ طبعا أنـا أعرف كلا من الأختين على حِدَة.. وعانيت منهما الأمرين في المرحلة الثانوية، لكن أن أقابلهما معا في مادة واحدة هي خليط منهما!!!! (ربنا يستر)..!
الدكتور المحاضر يدخل.. صخب الطلاب يتحول إلى همهمة، ثم إلى همس، ثم إلى صمت مطبق... هدووووووء...
فتحتُ دفتري، وتأهبتُ بقلمي لتدوين ما سيمليه علينا المحاضر.. بالتأكيد بعد أن يرحب بنا كطلاب جدد.. ويتمنى لنا عاما دراسيا سعيدا!!!!!
ولكن.. ألا ينذرك هذا الهدوء بشيء؟!
نعم..
إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة..
وبالفعل..
بعد لحظات من الصمت...
زأرت العاصفة...
عاصفة من الحديث المتواصل والشرح الذي لا ينقطع لمدة ساعة كاملة بالتمام والكمال.. وكل ذلك بالإنجليزية.. إنجليزية كاسحة أبادت في طريقها كل ما تعلمناه في أكثر من عقد من الزمان..!!
إن المحاضر - أشهد له - لم يخطئ مرة واحدة من أجلنا لينطق كلمة بالعربية..!
ومع كل دقيقة تمر عليّ أزداد إحساسا بالعجز والدونية.. حتى انتهت الساعة، وخرج المحاضر بكل هدوء تاركا خلفه كائنات كانت تملأ الحياة صخبا.. لكنها صارت كهشيم المحتظر..!!
كان الذهول يسيطر على الجميع.. نحن لم نفهم حرفا مما قال.. بل لم نفهم أصلا عن ماذا تتحدث هذه المادة!!!
ولكن، لن نفقد الأمل سريعا، فبالتأكيد هذا الدكتور يسعد (بتعقيد) الطلاب الجدد.. لكن غيره لا يفعل.. فلننتظر التالي إذن..
ولم يطل الانتظار؛ فليس هناك فارق زمني بين المحاضرة والتي تليها.. الأولى تنتهي مثلا في العاشرة صباحا، والثانية تبدأ في العاشرة صباحا.. وهذا -لعمري- من مميزات كلية العلوم الخالدة التي لم أرها في كلية أخرى!!!!
المهم.. دخلت دكتورة مادة الــ Morphology .. ما معناها؟ بالتأكيد سنعرف.. لمَ العجلة؟!!! فهذه الدكتورة يبدو عليها سمت الطيبة والأمومة.. هذه بالتأكيد تختلف عن سالفها.. فهي سترأف لحالنا.. (وتبل ريقنا بكلمتين عربي)...
وبالفعل كانت تختلف؛ فقد كانت العاصفة هذه المرة بالإنجليزية الممتزجة باللاتينية!!!!!
وخرجت بدورها - بعد ساعة - تاركة خلفها أعجاز نخل خاوية!!!!
ولك أن تتصور إحساسنا والمحاضرين يتناوبون علينا واحدا تلو الآخر بهذه الطريقة...!
هل شاهدتَ فيلم (البريء) أو فيلم (إحنا بتوع الأوتوبيس).. أو أي مصيبة أخرى يتكرر فيها مشهد دخول المسجونين إلى المعتقل...؟!
هل تعرف التشريفة التي يُقَابَلون بها..؟!
الصفعات والضربات التي تهوي عليهم من كل مكان، ومن لا مكان؟!
كان هذا شعوري في الأسبوع الأول..
أسبوع من التخبط وعدم التوازن.. تقريبا لم أميز بعد بين تخصصات الدكاترة الذين يدخلون علينا.. لا كلمة عربية واحدة!!
وفي البيت، أسهر الليل بطوله فقط لترجمة صفحة أو صفحتين من مذكرة المادة.. كيف لا؟ والصفحة الواحدة تحتوي على أكثر من 40 كلمة غير مفهومة!!!!
فضلا عن أن هناك كلمات باللاتينية لا تجدها في المعجم الإنجليزي أصلا!!!
ناهيك عن أنك تبحث يدويا في معجم (منير البعلبكي) العملاق، دون كمبيوتر أو مترجم إلكتروني فوري!!!!
ولولا أن الله نهانا عن سب الدهر، لوصفت تلك الأيام بلون داكن شديد القتامة...!!
وكنتيجة طبيعية.. سألت نفسي بهدوء مصطنع: لمَ كل هذا العذاب.. والحل سهل وموجود..؟!
فقالت لي نفسي: وما هو يا عبقري؟!
فصرخت فيها بانهيار: الفرار.. الفرار..!!
قالت لي: إلى أين؟
قلت لها بتلقائية: إلى (تجارة) طبعا.. فلماذا خُلِقَت كليات (التجارة) إن لم تكن للفارين من (علوم)؟!!!!
* * * * *
سيسألني سائل: إذا كان الحل سهلا لهذه الدرجة.. فلماذا لم تَقُم به إذن؟!
لكن الحديث طال هذه المرة..
فلنكمل في مرة قادمة...!
لكن ليس شرطا أن يكون البوست القادم..!